الأدب الإفريقي: تشينوا اتشيبي – أشياء تتداعى

مقال : سميرة سليمان

في صحبته انهارت جدران السجن” هكذا وصف الزعيم الجنوب الإفريقي نيلسون مانديلا الكاتب الإفريقي تشينوا اتشيبي، حيث قرأ مانديلا روايات الأديب الراحل وهو في السجن.

عرف اسم تشينوا اتشيبي كواحد من أهم وأقوى الأصوات الأدبية في إفريقيا خلال القرن العشرين، وجاءت شهرته بما حققه وأعطاه للأدب الإفريقي من خلال نقل رؤيته والتجربة الإفريقية وتصوير ما عاناه أبناء شعبه النيجيري في ظل الاستعمار البريطاني للعالم ككل فحظيت أعماله بالكثير من الاحترام والتقدير. تشينوا الذي رحل عن عالمنا عن عمر يناهز 82 عام، هو  كاتب نيجيري، لكن كتاباته أكسبته القبول العالمي، ترجمت رواياته ” أشياء تتداعى” و”لم يعد مطمئنا ” إلى الألمانية و الايطالية والاسبانية والسلوفينية والروسية و العبرية و الفرنسية و التشيكية والمجرية.



من أشهر رواياته “الأشياء تتداعى” التي كتبها عام 1958، وكتب هذا الأديب أيضا عدة روايات شهيرة من بينها “لم يعد سهلا ” التي نشرها عام 1960 و رواية “سهم الله” التي نشرها عام 1964، ورواية “ابن الشعب” في عام 1966، و”كثبان السافانا” في عام 1987، يذكر أن الراحل تشينوا أتشيبي رفض جائزة كان من المقرر أن يمنحها له الرئيس غودلاك جوناثان بسبب عدم معالجته المشاكل السياسية في نيجيريا، وكان أتشيبي قد رفض اللقب الوطني “قائد الجمهورية الاتحادية” في العام 2004, عندما كان أولوسيغون أوباسانجو رئيسا للبلاد.

  أشياء تتداعى

 ”القلب ذو الكبرياء يستطيع تجاوز فشلا يكون من نصيب الناس عامة. لأن فشلا كهذا لا يحطم كبرياءه. فالفشل الأصعب والأكثر مرارة؛ هو الفشل الذي يصيب الإنسان وحده”. 

هكذا جاء في رواية “الأشياء تتداعى” التي استمد اتشيبي اسمها من إحدى قصائد الشاعر الايرلندي الشهير وليم ياتيس والتي تحمل عنوان “الحضور الثاني” والتي قال فيها “الأشياء تنهار / والمركز غير قادر على الصمود / هي مجرد فوضى تعم العالم”.

  تدور أحداث رواية اتشيبي في قرية “اوموفيا” وحول أوكونكو صاحب الشخصية القوية والذي نجد حياته تدمر وتنهار بسبب سلسلة من النكبات التي مرت به، والتي يأتي على رأسها وصول البريطانيين للمنطقة، ثم عجزه عندما تخلى ابنه عن دين قبيلته للالتحاق بمدارس الإرساليات التبشيرية، وعندها اتضح له أن البريطانيين لم يحضروا الدين فقط لنيجيريا ولكنهم جلبوا أيضاً الحكومة والملكة، وهو ما رفضه اوكونكو وتسبب في نهايته المأسوية، تتحدث الرواية عن التبشير للنصرانية وإنشاء المحاكم التابعة لسلطة البريطانية. وعن العقيدة الوثنية التي يعتزمها أبنا الايبو . تتحدث كذلك الرواية عن انهيار قيم القبيلة في وجه الحضارة القادمة من الغرب.

 تُرجمت الرواية إلى 50 لغة وبيع منها أكثر من 10 ملايين نسخة، ذكر الأديب الراحل في لقاءاته الكثيرة السابقة أن رواياته تعد سرداً للتراث الشعبي النيجيري المليء بحكايا الأجداد والأمهات والآباء، فقد كان آتشيبي يجلس ويسمعها من كبار السن، بالإضافة إلى أن الرواية جمعت كل ألوان الحياة الاجتماعية والعادات كرمي الأطفال التوأم في الغابة حيث يعتقدون بأن التوأم ملعون، والتقاليد المتعددة والسحر والخوف من الغابة.

وتحدثت الرواية عن الحالة الاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية حينها في نيجيريا وكيف كان شكل الحياة قبل وبعد الاستعمار الانجليزي، محور الرواية يدور حول سقوط الرجل الأسود (اكونكو) على يد الرجل الأبيض (البريطانيين)، فقد كان (أوكونكو) أحد رموز النجاح السياسي والمالي والاجتماعي في بلدته، نفي (أوكونكو)من قريته حسب العرف المعمول به الذي يقول: ان من يقتل قتل ليس متعمداً ينفي لسبع سنوات إلى قبيلة أمه… وكانت هذه احد رحلات اوكونكو .. فترك أرضه وماشيته ومخازن غلاله وحُرق بيته على يد أهل القتيل.. وفقد بذلك حلم الزعامة.. فعندما عاد من منفاه وجد أن كل شيء في قريته قد تبدل وفرض المبشرون سلطتهم، وقرر أن يحارب البيض المستعمرين ودعا أهله لقتالهم ولكن لا احد يستجيب فقد استسلم الجميع للمبشرين وحتى صديقه المقرب (أوبيريكا) تخاذل مدعياً أن المبشرين قد استمالوا الجميع لصفهم ولا احد يرغب في قتال البيض.

 لكن (أوكونكو) رفض الخنوع والاستسلام لهذا الواقع المرير، وقرر قتال المستعمر بمفرده،  فكانت أول محاولاته أن قام بقتل مبعوث الإدارة البريطانية وعندها صدر عليه حكماً بالإعدام… فقرر وضع حد لحياته قبل أن تطاله يد المستعمر ..وقرر الانتحار معلقاً نفسه على جذع شجرة ليموت ويتداعى كما تداعت كل القيم والموروثات التي يؤمن بها، وبموته ماتت كل أشكال الحياة والتقاليد والعرف في القبائل النيجيرية وخضعت بلاده لسلطة البيض.

 رواياته الأخرى

 صدر للكاتب النيجيري الشهير البروفيسور تشينوا أتشيبي كتاب “كان هناك بلد.. قصة شخصية عن بيافرا” الذي يتناول تجربته الشخصية خلال الحرب الأهلية التي شهدتها نيجيريا على مدى 30 شهرا. تلك الحرب الوحشية لمدة ثلاث سنوات عندما حاولت منطقة الإيبو الجنوبية الشرقية الانفصال عن نيجيريا في عام 1967.وقد لقى حوالي مليون شخص مصرعهم في تلك الحرب التي دارت بين 1967 و1970 .

 جاءت روايته “سهم الله التي كتبها عام 1964 الشخصية المحورية بها، هو رجل قبلي متعلم يرى نقاط الضعف في النظرة التقليدية ويشعر بالحاجة إلى التغيير. يقظته العقلية وتشكيكه الدائم بكل ما حوله جعله عرضة للاتهام بالخيانة من قبل شعبه.‏

وبحلول منتصف ستينات القرن الماضي أخمدت نشوة الاستقلال في نيجيريا حيث واجهت البلاد مشكلات سياسية على غرار دول إفريقيا الحديثة، وصورت رواية “رجل الشعب” (1966)، الفساد السياسي في نيجيريا، وقد نشر الكتاب في لحظة وقوع انقلاب عسكري جرف القيادة السياسية القديمة وانتهاكاتها. ما أثار الشكوك حوله وجعل بعض الضباط العسكريين يشتبهون بأن لعب دور في الانقلاب، لكن لم يكن هناك قط أي دليل يدعم هذه النظرية.‏

 كتب مجلدات شعرية، ومجموعة من القصص القصيرة وقصص الأطفال. في عام 1987 نشرت روايته “كثبان السافانا” وظهرت على القائمة القصيرة لجائزة بوكر، وفي عام 2007 نال آتشيبي جائزة “مان بوكر” الدولية عن انجازاته خلال مسيرته المهنية.‏

”تعليم طفل تحميه بريطانيا”

 في مجموعة المقالات التي يتضمنها هذا الكتاب يعكس الكاتب تقديره لعدد من الخطابات التي  تسلمها من عدد من  القراء من مختلف الثقافات والتي قال عنها “على الرغم من الاختلافات الثقافية الخطيرة” إلا أنه  “من الممكن للقارئ في الغرب التعرف بعمق على الشخصيات والأحداث التي وردت في الرواية الإفريقية”.

هو أول كتاب له منذ إصابته بالشلل النصفي عام 1990 جراء حادث سيارة في نيجيريا. يتناول موضوعات عدة مثل تأثير صدمة الحادث على حياته وعلى أعماله فضلا عن الاستعمار، الهوية، العائلة (طفولة السيد أتشيبي ووالده الذي كان مسيحياً وعن تربيته لبناته) استخدام اللغة و إساءة استخدامها.

 من ضمن مقالاته “ماذا تعني نيجيريا بالنسبة لي؟” وهي محاضرة ألقاها منذ عامين، كما كتب “سخرية مريرة من الفساد السياسي” والذي تصور فيه  أن هذا الفساد سيؤدي لانقلاب عسكري وهو ما وضعه في مشاكل ففي خلال يومين من صدور ما كتبه كان هناك انقلاب حقيقي في نيجيريا مما دعا البعض للاعتقاد بأن اتشيبي كان ضالعاً بالمؤامرة.

 ”حرب بيافرا” ومحاولة ولايات الجنوب الشرقي النيجري للاستقلال عن الدولة الاتحادية في نيجيريا في الفترة ما بين 1967 – 1970 كانت مأساة نيجيريا الثانية والتي دفعت باتشيبي ليترك الكتابة لمدة عشرين عاماً تفرغ خلالها لكتابة الأشعار الحزينة.

 انتقد الأديب الراحل رواية جوزيف كونراد “قلب الظلمة” الذي تحدث عن الأفارقة بوصفهم “أرواحاً بدائية غير متطورة” ومتوحشين، وانتقد الكاتب الراحل ذلك قائلاً: “لم أر نفسي كإفريقي في تلك الكتب. لقد اصطففت مع الرجال البيض ضد المتوحشين. وبكلمات أخرى، عبرت المستوى الأول من تعليمي وأنا أظن بأنني من حزب الرجل الأبيض في مغامراته المثيرة ومساربه الضيقة. كان الرجل الأبيض طيباً وعقلانياً وذكياً وشجاعاً. أما المتوحشون المجتمعون ضده، فكانوا شريرين وحمقى، ولا يعدون كونهم ماكرين. لقد كرهت سماتهم”.

 يذكر أن أتشيبي تلقى العشرات من درجات الدكتوراه الفخرية والجوائز الأدبية الدولية. وهو عضو فخري في الأكاديمية الأميركية ومعهد للفنون والآداب، وترجمت أعماله إلى أكثر من 40 لغة.‏

 قالوا عنه

 قال عنه “وول شوينكا” الأديب النيجيري الحائز علي جائزة نوبل في الآداب عام 1986: ” أن أعمال آتشيبي تتكلم من داخل الشخصية الأفريقية، ولا تصور الرجل الأفـــريقي على أنه شيء غريب وعجيب كما يراه البيض”.

 الروائية الجنوب أفريقية “نادين غورديمير” الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 1991م بأن آتشيبي “له موهبة متألقة وعظيمة ومفعمة بالحماس والثراء”.

 الناقد الأدبي “بروس كين” في مقدمته للأدب النيجيري، قال أن “آتشيبي أول كاتب نيجيري نجح في نقل الرواية من النمط الأوروبي إلي الأدب الأفريقي”.

 وتعترف الكاتبة توني موريسون الحاصلة على جائزة نوبل في الآداب بأنَّ أتشيبي هو “الذي أضرم علاقة الحب بينها وبين الأدب الإفريقي تاركاً أعظم الأثر على بداياتها ككاتبة”.

 ولد  تشينوا أتشيبي عام 1930 بقرية أوجيدي شرق نيجيريا ، وكان والده يعمل قسيساً ، تلقى تشينوا تعليمه بالمدرسة الحكومية بأومواهيا،  ثم استكمل درسته بجامعة ايبادن، ثم انتقل للندن وهناك حصل على ماجستير الآداب من جامعة  لندن، ودرس الإعلام  هناك وعمل كأستاذ جامعي في جامعة دايفيد وماريانا فيشر، وأستاذا في الدراسات الإفريقية بجامعة براون ، وكان على مدار خمسة عشر عاماً كأستاذ للغات والأدب بجامعة براد، ومؤلف لخمس روايات ، ومجموعتان قصصيتان، وعدد ضخم من الكتب.

 في عام 2002 حصل على جائزة رفيعة في السلام منحتها له رابطة ناشري وبائعي الكتب الألمان تقديراً لدوره كروائي وكاتب أخلاقي إفريقي رائد، وفي عام 2007 فاز بجائزة البوكر العالمية.

أشياء تتداعى

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: