الديوان الإسبرطي الرواية الفائزة بجائزة البوكر للرواية العربية 2020

فروح بلال – الجزائر

الديوان الإسبرطي لعبد الوهاب عيساوي رواية جزائرية بامتياز تصنع الحدث بجائز البوكر 2020؛ سرني سماع الخبر كثيرا قبل أن يشوب سعادتي شيء من الريبة على إثر قراءتي لإسمين لا علاقة للكاتب بهما في حقيقة الأمر, لكن لا يسعني الا أن أعبر عن امتعاضي الشديد منهما؛ الإسمين هما أمين زاوي أحد غلمان المدرسة الفرنكوفونية العلمانية و خصيانها في الجزائر كعضو في لجنة التحكيم و الثاني يوسف زيدان أحد المترشحين للقائمة القصيرة للأعمال المترشحة للجائزة و الفوز بها؛ قد يبدو هذا خروجا عن الموضوع لكنني لا أستطيع عدم الكلام عنه لاعتلاجه في نفسي اعتلاجا شديدا يفسد علي سروري بجائزة الفائز؛ كوني جزائري أولا و من جيل الكاتب ثانيا و ذلك أن الرواية تاريخية و هو الأمر الذي يصادف أن كلا من يوسف زيدان و أمين زاوي من أصحاب الآراء الشاذة و القنابل الإعلامية في ما يخص التاريخ و نأخذ كمثال كلام يوسف في صلاح الدين الأيوبي و أحمد عرابي البطل القومي المصري و كلام أمين زاوي في الصحابي أبي هريرة رضي الله عليه و كلاهما تكلم من منطلق التنوير بكلام لا علاقة له لا بالتاريخ و لا الكتابة التاريخية بل أتى كل منهما بالأعاجيب بشكل يطرح تساؤلات جدية بمدى مصداقية الجائزة من الناحية الفكرية على الأقل.
نعود للكتاب و الكاتب؛ تدور أحداث الرواية بين الجزائر؛ مرسيليا و باريس بخمس شخصيات مختلفة اختلافا كبيرا ؛ في الفترة الممتدة بين 1816-1833 ؛ ابن ميار الغني الجزائري الحالم برجوع الجزائر لأهلها بالطرق السلمية و السياسية؛ يقابله حمه السلاوي الشاب المتمرد المؤمن بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة الناقم على العثمانيين و الفرنسيين سواء بسواء كونهم مستعمرين كبعضهم البعض؛ الطرف الفرنسي يتمثل في الصحفي ديبون المسالم المحب للرب الناشر لكلمته؛ الرافض لكل أشكال العنف صديق الجميع يقابله في نفس الضفة الضابط كافيار الحاقد على أهل الجزائر كونه تعرض للاستعباد و السخرة في مقالع الحجارة على اثر غارة بحرية أثناء الصيد بالسواحل الفرنسية؛ علما أنه أحد رجال نابليون في معركة واترلو؛ الشخصية الخامسة فتاة جزائرية تعصف بها الأحداث بين اليتم و الفقر و الاغتصاب لتجد نفسها فريسة للمجتمع في مبغى تحت رحمه ظروف قاسية للغاية إلى غاية انقاذها من طرف حمه السلاوي و ابن ميار.
تتشابك العلاقات و الأحداث بين الأشخاص؛ قصص حيواتهم و مصائرهم ؛ على الاختلاف الذي يبلغ حد التطرف بين المواقف في رؤى الشخصيات للأشياء؛ اعتمد الكاتب خلال ذلك أسلوب المونولوج حيث كان كل فصل على لسان احدى الشخصيات بالتناوب؛ الكاتب اعتمد أسلوبا ليس بالجديد تماما؛ يعتبر ويليام فوكنر الكاتب الأمريكي صاحب رائعة الصخب والعنف الحائزة على جائزة نوبل لسنة1949 رائد هذا الأسلوب الكتابي؛ اعتمد فوكنر أسلوب المونولوج و الومضات flash-back نفسه في روايته المذكورة؛ الكاتب برع في استعماله لهذا الأسلوب الصعب حيث يتحدث عن فترات زمنية منفصلة و متباعدة بطريقة يلاحظ القارئ نوعا من التداخل أحيانا؛ فقراءة هذا النوع من الكتابة تستلزم التركيز الكافي أثناء القراءة حتى يتجنب القارئ تداخل الاحداث في ذهنه و من وجهة نظر الشخصية للأشياء؛ يلقي الكاتب لأحداث القصة من غير ترتيب للقارئ الذي يقوم بترتيبها في رأسه. رغم أني أجد الفصول الأخيرة فيها نوع من التكرار لأن الشخصيات تروي حادثة ما سبق وروتها شخصية أخرى قد يكون ذلك مناسبا لمَّا يكون الحادث المروِي من النوع الذي تترتب عليه أحكام أخلاقية او وجهة نظر كنوع من المناقشة الفكرية وليس فقط سرد لوقائع حادث ما.
من وجه نظري أجد أن الكاتب خالف الصواب في الكثير جدا مما جاء حيث ساوى بين الوجود التركي العثماني والاحتلال الفرنسي؛ نجد ذلك مثلا في كلامه عن جبن الجنود الأتراك في المعارك؛ انتشار اللواط بينهم و اشتغال كُبٌرَاء المسؤولين العثمانيين بالخمور و النساء البغايا و صرفهم لأموال طائلة على هذه المباهج و غرقهم فيها حد الأذقان؛ بربرية العثمانيين و احتقارهم لأهل البلد و غير ذلك كثير فمن لا يعرف عن تلك الفترة من كتب المؤرخين لتخيل في لحظة ما اثناء قراءته لبعض المقاطع من الرواية أن مدينة الجزائر لذلك العصر لم تكن سوى ماخور ضخم يفرغ فيه الأتراك نزواتهم.
صادف أيضا أني شاهدت مقابلة تلفزية من يومين للكاتب على احدى الشاشات بُعَيدَ نيله للجائزة وقد سأله الصحفي عن ادانته للعثمانيين ومساواتهم بالفرنسيين وعن مصادره؛ فلم يكن جوابه إلا أنه قد قرأ العديد جدا من المصادر التاريخية وذكر مؤرخين اثنين لا غير نسيت الأول لعدم سماعي اسمه قبل ذلك، أما الثاني فكان سعد الله أبو القاسم رحمه الله والذي يعتبر شيخ المؤرخين الجزائريين بلا منازع؛ لم الكاتب عن قوله:كتب سعد الله، ولم يذكر لنا عنوانا واحدا كمثال عن الكتب التي قرأها في تاريخ الجزائر العثماني.
المعلوم أن هذا الطرح لم يكن معروفا قبل أن تقوم المدرسة التاريخية الفرنسية بالتأصيل له و نشره لاتخاذه أحد تبريرات احتلالها للجزائر و استمالةً منها للأجيال اللاحقة من المثقفين الجزائريين لخلق نوع من الإندماج التاريخي تجعل فيها جحافل الجيوش الأولى من الفرنسيين بزعامة دوبورمون فاتحين لا مستعمرين مجرمين أنقدوا الجزائر من القراصنة المسلمين العثمانيين؛ و هو ما حصل فعلا لدى طوائف معروفة في الأوساط الجزائرية أغلبها محسوب على الجناح العلماني و الفرانكفوني؛ فالجزائر كانت و لا تزال جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية مثلت لعقود طويلة رفقة الدول المغاربية خط الدفاع الأول في وجه الحملات الصليبية الاسبانية و الفرنسية القادمة من السواحل الشمالية خصوصا بعد سقوط الأندلس نهايات القرن 15 و هي نفسها الفترة التي ظهرت فيها الأساطيل العثمانية بالحوض الغربي للأبيض المتوسط؛ في زمن يستحيل أن فيه أن تحافظ على أمن ترابك من دون الانتماء لأحدى القوتين أو الحِلفَين الأكبر في العالم الشرق الإسلامي و الغرب المسيحي.
أما عن المؤرخين الجزائريين فنذكر على سبيل المثال و ليس الحصر مبارك الميلي؛ سعد الله أبو القاسم؛ نايت بلقاسم آيت بلقاسم؛ توفيق المدني؛ عمار طالبي ؛ محمد دراج و غيرهم ممن ردوا على مزاعم المؤرخين الفرنسيين و المدرسة الفرنكوفونية في كتبهم و مؤلفاتهم التي تمنيت لو أن كاتبنا ذكر أحدها في حواره.

في الأخير الكاتب عبدالوهابعيساوي قال في حواره أن التاريخ يكتبه المنتصرون، وددت لو أخبرنا من وجهة نظره هل التاريخ الذي قرأه انتصر فيه العثمانيون أم الفرنسيون، لنعرف لأي مدرسة ينتمي إليها كلامه.

الديوان الإسبرطي

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: