الفلسفة و أزمة وباء الكورونا – طرح سؤال ما الإنسان؟

مقال : خديجة المسعودي – مدوّنة و ناشطة ثقافية -تونس

لنقف وسط هذا الضجيج برهة للتأمل، حيث يشهد العالم اليوم وباءً عالميا جعلنا نكسر الحدود الجغرافية ونتحدث عن كارثة كونية وجب على كل فرد أن يتجند من أجل الحفاظ على بقائه  (“كوناتوس”) وحماية الانسانية جمعاء.

لقد جعلنا هذا الفيروس covid-1   نعيد طرح سؤال الانسان من جديد ونبحث في تفاصيله، وسط هذا الخطر الذي يهدد حياته جعلنا نتعرف على خاصيات الانسان المعاصر في ظل أزمة كونية تهدد تواجده.

فإذا اتفقنا أولا أنّ تفشي هذا الفيروس في كامل أنحاء العالم شكلّ بنية إجتماعية جديدة ونمط عيش يخرج عن المعتاد، فهذا يفضي بنا إلى الإشارة إلى تغير أسلوب العيش وذلك من خلال العمل عن بعد في الكثير من الاختصاصات، وازدياد نسبة الاقبال على إستعمال وسائل التواصل الاجتماعي، كما لاحظنا العودة إلى  ثقافة الكتاب والمطالعة إنسجاما مع الظروف الصحية الخطيرة وتجنبا لمزيد انتشار هذا الفيروس. كلّ هذا يجعلنا نقرّ أننا إزاء إنتقال من نمط عيش في الفضاء العمومي حيث المقاهي والشوارع والمطاعم وأمكنة العمل التي باتت تمثل خطرا إلى فضاء خاص يحقق الأمان والطمأنينة.

وفي مستوى ثان، يجب التفكير بالأنا اليوم في علاقتها بالآخر ولعلّ هذا ما يمكن أن نتبيّنه من خلال الاقبال المبالغ فيه على المواد الاستهلاكية بدون وعي بوجود الآخر والتفكير فيه، كما يلفت إنتباهنا اليوم في وسائل الاعلام وحتى في تدوينات خاصة عبارات من قبيل”هذا الفيروس غير خطير فهو يقتل كبار السن ومن يعانون من أمراض مزمنة باعتبارهم أقلية” وهذا يبرهن أن الانسان “أناني” بلغة التحليل النفسي والآخر هو “جحيم” بلغة الفيلسوف سارتر.
كما نشهد اليوم خرق الكثيرين مبدأ “الحجر الصحي” وعدم التفكير بالاخرين وإمكانية انتقال العدوى، وهذا يدعم فرضية أنّ الانسان المعاصر أناني إلى حدّ إلغاء الآخر مما يجعلنا نتحدث عن سردية ما بعد حديثة وهي”الفرد المركز” الذي لا يزال سجين الفكرة القائلة بقدرته على السيطرة على الطبيعة و تسليمه بفكرة أنّ العالم “قرية صغيرة” يجتاحها من خلال هاتفه الذكي.
وفي مستوى ثالث، تجدر بنا الاشارة إلى التداعيات الأخلاقية لهذا الوباء الكوني، إذ أصبح المصاب بهذا الفيروس مجردّ رقم أو حيوان ناقل للعدوى وأصبح محلّ هلع وخوف، إذ تتصدّع هويته وكل بياناتك الشخصية  وتلغى كل القيم ويقتصر الأمر على نتيجة تحليل.

وفقا لهذا، يمكن اعتبار أنّ انتشار هذا الفيروس وتهديده لحياة الانسان يجعلنا نقوم بالعديد من المراجعات للمفاهيم وكشف مسلمات ضمنية ذات أبعاد فلسفية وسوسيولوجية وثقافية لطالما كانت خارج دائرة التفكير والسؤال.

خديجة المسعودي

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: