الفن والإرهاب أو كيف يمكن عبور الكارثة ؟

إعداد الباحث عماد الحمدي- تونس

الفن والإرهاب أو كيف يمكن عبور الكارثة ؟   

تأملات حول كتاب  الفن في زمن الإرهاب أم الزين بنشيخة المسكيني

لأيّ شيء يصلح الفن زمن الكارثة؟ ثم كيف يمكن للكارثة أن تؤجّج أسئلة الفلسفة التيَ تُعلم عن خصومة بين الفنان والراهن المستبد؟ وهل تستحيل الفلسفة تحت سلطان العنف المعولم إلى تبرير زائف أم هي مدعوّة إلى الإنخراط  في مهمة مغايرة لمهمة التبرير والتأويل؟ 

ربما تضطرّ الفلسفة إلى معاودة طرح أسئلتها قرعه للعصا  ومقارعة لغطرسة الأطر والأجهزة غطرسة كل ذي يد طولى واستبداد تلوّن بدماء الضحايا والمنبوذين. 

الفن في زمن الإرهاب عنوان لنص يحاول إعادة تأويل علاقة  لم تكن منذ البدء بديهية  ولا مألوفة في الأذهان ، لأجل ذلك  تدعونا المؤلفة  إلى توقيع جديد  يرسم أفقا مغايرا للفن  ينزع عنه صلف استتيقا الذوق والمتعة و فكرة الجمال المحض ليكون مقاما إنسانيّا يلج عبره الكائن عوالم الرعب ومداراته

ربّ سائل أن يسال ما الذّي يُتيحه الفن في زمن الإرهاب؟ وأيّة صورة يرسمها الفنّانون وينشؤها المبدعون في عصر تعاظمت فيه أشكال البشاعة ؟ وهل الصّورة التي يُرينا إيّاها العالم هي الصّورة نفسها التي يخلقها الفنان أم أنّ عين الفنّان عين لعوب تنأى بنفسها عن نمطية الصور المعلّبة والمعولمة ؟

لا ريب أنّ الإشكال لا يتعلق لا بهاجس المطابقة ولا حتى تقاطع بين عالمين إنّه تقابل صدامي بين الفن والإرهاب وحسبنا هنا أن نستضيف عبارة جميلة لباديو  يتساءل عبرها<< بما يفكر القصيد؟>> لأمكننا أن نسأل أيضا بما يفكّر الفن زمن الإرهاب؟ فالفن ليس له إلاّ أن يتفكّر التباس العالم جذلا ومرحا.

إنّ هذا العمل يبدأ بتصدير يعمّق السؤال التالي: لماذا الفن في زمن الكارثة ؟ والمؤلفة إذ تقيم مقايسة  بين الفن زمن الإرهاب والحب زمن الكوليرا  تجد بين المنبوذين( الفن والحب ) نقطة لقاء أرخميدية ، فالحب في رواية ماركوز  لا يمرّ إلا عبر لقاء جنائزي حيث أتقن الرواىئ  بحسب تأويل رشيق لفتحي   المسكيني <<إقامة جوار مرح بين مطارح الحب المجنون ومسارح الموت المرعب  … وكما يدقّق في تفاصيل قبلة يدقّق في ساعة الدفن >>. نفس الهاجس يسكن نص الفن في زمن الإرهاب  فمثلما أنّ الفن يستطيع أن يجعل الحياة ممكنة هو نفسه لا يولد إلاّ على حافة جحيم ما .

الباحث عماد الحمدي

كيف يمكن أن نعثر في الإرهاب على ذخيرة فنية ؟ تدعونا المؤلفة إلى أن ندنو من  الكارثة دنوّا تأويليا  إذ تعبر بنا الكاتبة إلى ساحة سجالية وتأويلية استتيقية ، مساحة أولى يتأوّل عبرها هيدغير  قصائد هولدرلين حيث يكون السؤال المحوري لماذا الشعراء في هذا الزمن الرديء ؟ وهو سؤال يقدّم بشأنه هيدغير إجابة تأويلية ترى الشعراء حماة للمقدس . إنّ الإنسانية تلوذ بالشعر لأنّ ليل العالم طويل  حيث بؤس البشر وانصراف الآلهة عنهم ولا مناص للفيلسوف إلاّ أن يُحسن الإنصات  للشعراء لأنّه في هذه اللحظة يُنصت للمقدس . نفس السؤال يستعيده آدرنو ولكن يمنحه وجهة مغايرة لما اقترحه هيدغير ، ربّ وجهة تُقلع عن تمثّلات سطحية ترى الفنان خطيب عزاءات . لماذا الشعراء ؟ سؤال يختصم في شأنه عمالقة الفكر  ولكنّ آدرنو ينتبذ لنفسه موضعا قصيا فيدفع بالإشكال إلى أقصاه  فالفن بحسب أعظم أعلام مدرسة فرنكفورت لا يغادر العالم ولكن يفضح مناطق القهر فيه ويرفع الحجب عن الهيمنة التي تسود نظامه فالفن بعبارة آدرنو << يريد ما لم يكن بعد … وليس بمقدور الفن أن يتعدّى ظل ما كان … لكن بما أنّ الفن يغطّي بالأسود يوطوبياه ما هو ليس كائنا بعد  فإنّه يبقى عبر توسيطاته جميعا ذكرى ، ذكرى للممكن ضد الفعلي الذي كان قد قمعه وكبته شيئا من قبيل الاستدراك أو الاستصلاح الخيالي للكارثة التي هي تاريخ العالم >> ( آدرنو، نظرية استتيقية ، ترجمة ناجي العونلي )

لقد أوضح آدرنو أن القيام الذاتي للفن قد تزعزع بقدر ما صار المجتمع أقل إنسانية . إنّ هيدغير الذي تأوّل الشعر باحة للمقدس ظل في تقدير آدرنو يخون اليوطوبيا  سجينا للهوية  ولكن أيّة خيانة ارتكبها هيدغير<< فأن يخون المرء نوعه وجنسه  وطبقته وأغلبيته  هل من سبب أخر للكتابة ؟… الخيانة عسيرة الخيانة إبداع . وليبدع ، على المرء  أن يفقد هويته ووجهه  يجب أن يزول ويصبح مجهولا >> (باديو، دلوز صخب الكينونة ). يقاوم الفن كما يرى آدرنو الثقافة التافهة عندما يصير الفكر مشيّئا ويصبح المجتمع كليانيا  إنّها عين الثقافة التي فقدت <<ملح الحقيقة>> . ربّ فلسفة نقدية تعيد للفن ألقه بعد أن استبدت به ثقافة جوفاء ولا غرابة عندئذ أن يعود آدرنو إلى قصائد بول سيلان حيث يكون الشعر وعيا بآلام الناس ، فشعر بول سيلان كما يذكر غادمير رديف للّحظة التي يتحوّل فيها التنفس من الشّهيق إلى الزّفير (غادمير، من أنا ومن أنت تعليق حول بول تسيلان). بهذا المعنى فإنّ كتابة الشعر بعد المحرقة فعل بربري حيث يبقى الشعر بالنسبة الى آدرنو  مواجهة، فالشعر بعد المحرقة أو الشعر المرافق للكارثة هو الذي يمنح الألم الحق في التعبير وإن أردنا أن نعلُو بالشعر لأمكننا أن نسأل هل يحق للمرء أن يحيا بعد المحرقة؟

إنّ هكذا سؤال يدفع بالاستقصاء الفلسفي إلى مداه القصي فنحن كما تلاحظ المؤلفة لازلنا معنيين بالسؤال الذي طرحه آدرنو  لماذا الشعراء بعد المحرقة ؟ لأننا نحيا زمانا يكرّر الكارثة ولكن بوسائل أكثر رعبا ووحشية . ها نحن إذن وفي زماننا الخاص  زمان صناعة الخراب  نُقبل على سؤالنا نحن وفي زماننا نحن  لماذا الفن في زمن الإرهاب ؟ وليس هو بالاستقبال المهموم بمجاوزة الفن أو قتله أو إعلان نهايته   وحدها الفلسفة الوضعية تتجاسر على الميتافيزيقا لتقطع رأسها بحسب موقف ما لهوسرل  أمّا بعض وجوه الاشتغال الفلسفي  لدى المؤلفة التحول بالفن من التاريخ إلى الراهن بغية إبداع الحياة من جديد عندما صار الإرهاب سردية كبرى لم يعد معها العالم صالحا للسكن . 

يتحرك مؤلفنا ضمن ثلاثة إحداثيات رئيسية أوّلا الفن خصم للإرهاب ولكنه يخوض معاركه بأسلحة فنية لقد صار الفن مستهدفا من قبل الإرهاب تحطيما للآثار الفنية واغتيال لكل ذائقة فنية وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ أن الدافع الرئيسي لهكذا مؤلف هو الشهادة فلسفيا على ما يحدث للفن والفنانين إذ باستطاعة الفن أن يقاوم الإرهاب عندما يجرؤ على كتابة كواليسنا الفظيعة وأن يكون شاهدا على المخاطر التي تحدق بالحرية وقتل الحلم في ديارنا . إنّ العالم يظل أخرس أو آلة صماء عندما ينسحب منه الفن فلا يكون قدرة على الإبداع والمحبة حيث يقول آلان باديو في مدح الحب (إنّ الفن في كل أشكاله  هو تأمل عظيم للحدث كما هو. إنّ اللوحة العظيمة هي القبض على شيء ما لا يمكن اختصارما تعرضه بأسلوبه ) .

الإحداثية الثانية التي يشتغل تحتها هذا المؤلف لاترى في الفن متعة ذوقية فحسب  بل هو الممكن الذي يسكن عبره الإنسان العالم على نحو جمالي ولن يتسنى له انجاز مهمته إلاّ إذا كان مقاوما طالما أنّ المقاومة هي ضرب من الإبداع بعبارة دولوز إذ ليس أطرف من مقاومة ولا أنبلها تتوسل الكتابة والرسم واللحن والكلمة ، حيث تنقلنا المؤلفة إلى إحداثية ثالثة ترتسم وفقها مفاعيل الفن في زمن الإرهاب ، إذ كيف للفن أن يكون وعدا بالسعادة بعيدا عن انفعالات كسولة للعقل؟بهذا الشكل يكون الفن <<ابتكاراللحب من جديد>> أمام واقع بدا لنا في صورة جحيم مكيف 

بناء على هذه الإحداثيات يتوزع المؤلف إلى ثلاثة أقسام رئيسية، فالقسم الأول والذي تعمل من خلاله المؤلفة على تأويل الإرهاب ، هذا القسم لا يعبأ بالإرهاب أحداثا ووقائع تُخبر عنها وسائل الإعلام وتبرّرها أجندات الدعاية بل إنّ المؤلفة تخلخل المفهوم وتلطّف الارتطام بصور الدمار التي تغزونا بها المرئيات عبر ترسانة من الصور، إذ كيف لنا أن نقرأ صور الدمار وأيّة وسائل تأويلية لقراءة صورالخراب ؟ ثم أليس الخراب صورة كان أم رسما ينأى بنفسه عن القراءة ، تلك الصور التي تُملي علينا بحسب عبارة مثيرة لدولوز << أن نكون لاهثين وراء وسائل الإعلام فنصبح عبيدا للمستجوبين والمناقشين والمقدّمين :صحفنة الكتاب ،ممارسات مهرّجين تفرضها الإذاعات  والتلفزات على الكاتب المذعن>>  (G . Deleuze et C. Parnet , Dialogues     ترجمة عبدالعزيز العيادي ص. 45)

يحملك هذا الموقف إلى قراءة صور الدمار ولسائل أن يسأل بأيّة لغة تُكتب الصور ومن يُتقن قراءتها ؟ بهكذا سؤال تقارب المؤلفة عالم الدمار تفكيكا للمشافهة والكتابة الذي هو في جوهره قائم في التعارض بين القراءة والكتابة ، ويمكن أن نلمس ذلك في المدوّنة الأفلاطونية عندما يشبّه أفلاطون كل نص وقع تدوينه باليتيم الذي مات أبوه ، وتلميذ سقراط لم يتلقّ من معلّمه درسا مكتوبا بل على العكس من ذلك فإنّ سقراط أحد مشرّدي الفلسفة ، أحد بدوها الرحّالة ،وفي نهاية الأمر فإنّ سقراط  لم يدوّن الفلسفة ولكن أفلاطون هو الذي دوّنها ، وليس الدخول في عصر الكتابة إلاّ الشهادة على مركزية اللوغوس ، إذ ليس ممكنا في هذا الجدل بين المشافهة والكتابة الإنتصار للخطاب إلاّ بالتحوّل في سياسة الحقيقة والمعنى من الخطيب والحكيم إلى كل قارئ ممكن للنصوص حيث الشّهادة في الفلسفة المعاصرة على موت الكاتب والشهادة على الولادة الجمالية للقارئ.

ثمّة أيضا ضرب من الضجيج الذي تُحدثه الصور ، إنها الصور التي تملأ بؤبؤ عيوننا في عالم لا يمنحنا غير الرعب حين ساد البصري ، فما يراد لنا رؤيته هو نصيبنا الوحيد من عالم معولم ، إنه العالم الذي تقلّصت فيه إمكانات الفرح  حيث تُمرّر لنا عواطف حزينة ، ساعتها يصير الإرهاب عنفا عالميا ، إذ يكشف بودريار التشابه الخادع بين الكوني والعولمي والنتيجة أنّه ليس ثمة هناك إرهاب واحد بل إنّه يغيّر في كل مرّة من عناوينه وخرائطه : الإرهاب إسم لمسميات  متعددة ، إرهاب العولمة وإرهاب لاهوتي وإرهاب سياسات التهميش وإرهاب الاستبداد  وإرهاب يتخفى وراء الخصوصية باسم الدفاع عن الهوية فتصبح الهويات قاتلة الأمر الذي دفع حنا ارنت إلى طرح مسألة العنف من جانب سياسي في إطار نقد الدولة الكليانية التي هي في جوهرها تمارس الارهاب . إلاّ أنّ المؤلفة تخلص إلى القول أنّه مهما كان حجم الدمار الذي يتهدد ديارنا فإنّ الشعوب بوسعها أن تبدع أشكالا متنوعة من الذكاء تقاوم به بشاعة الراهن  وأن  تضع في الوجود ما ليس فيه ولعل تلك الشعوب التي تناضل من أجل الحرية إنما في الحقيقة تبدع أشكال تحررها ، وما يلفت الإنتباه هنا أن المؤلفة لا تطرح مسألة الحرية طرحا ماهويا أو ميتافيزيقيا فإنما ذلك من ترف الفكر بل من الأنجع أن نأتي سؤال الحرية من وجهة مغايرة ، إذ يجدر بنا أن نسأل ما ثمن الحرية التي يجب على الشعوب أن تدفعه لنيل مطلوبها ، فالذين ينتصرون لقضايا الحرية والحق والعدالة والمساواة إنما هم يبدعون وإبداعهم ليس لغاية التلذذ بالجمال فحسب أو تحويل مساحة الفن إلى استيهامات بل هو صوت لعلاع في وجه الطغاة والمستبدين .الحرية والإبداع زوج مفهومي يضعنا في صلب القضية الرئيسية : يجب أن نخوض معاركنا من أجل الحرية  وليس من أجل الهوية حتى نكون في حجم الإنسانية الراهنة ، بل من آمارات الحرية << ألاّ يخجل المرء من نفسه >>، غير أنّ الإبداع وإن كان صنوا للحرية لا يجد على الأرض مستقرا إلاّ على أرض بوار ، إنّه لا يزدهر إلاّ  في الاضطهاد والعبودية  ،فليس الابداع ملكا حصريا لأيّة هوية أو لأي جهاز هووي بل هو علامة حرية وتبعا لذلك ليس ثمّة مفاضلة أو تراتبية في سلم القيمتين ، فنحن نبدع لكي نكون أحرارا ولا نملك حريتنا إلا إذا صرنا شعوبا تبدع حتى وإن كنّا في أدنى مراتب الاستعباد . إنما المبدع هو من تكون له الإستطاعة على أن يصيرهو نفسه أي من كان له الاقتدار غلى تحويل حريته الجذرية إلى أثر فني وكل إبداع هو فضاء حرية  وعندئذ ليس من اللياقة اختزال الفن في رسالة محددة ، الفن بحسب عبارة لآدرنو لا يصلح لا للتواصل ولا للمتعة  ولا للتأويل ، يصلح الفن فقط لفضح نظام الهيمنة ، بهذا المعنى تشير المؤلفة أنّ الفن يسلك لنفسه دروبا ويتخيّر انعطافات  مغايرة  وحسبك أن تتمعن سؤال ليوتار لأيّ شيء  تصلح كتابة الجمل؟ إنّما تصلح لأجل إنصاف جملة أخرى وقع إسكاتها ظلما ، ألم يجب الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي عن السؤال لأي شيء تصلح القصيدة؟ بالقول إنّها تصلح لقصيدة أخرى ، بل إنّ المؤلفة تفترع مسلكين مختلفين للفن : مسلكية تتأوّل كل عمل فني يخترع شكلا من المساواة الجمالية بين البشر ليس باستطاعة جهاز الدولة تحقيقها ولا يتسنى ذلك إلاّ باختراع فضاءات للمشترك حيث تكون الديموقراطية قسمة للمحسوس وهي أطروحة ما انفك يدافع عنها جاك رانسيير ومسلكية ثانية نعثر عليها لدى انطونيو نيغري عندما عرّف الفن بما هو << الجموع حيثما تسلك هذه الجموع على نحو إبداعي >> ، الإبداع فعل جماعي من أجل التحرر حين تكون له القدرة على خلق المشترك.

لا بدّ من الإعتراف بحقيقة  الصدام العنيف بين الفن والإرهاب ولكل طرف آفاقه ورؤاه، يعيد الفن ابتكار الحياة وتلك قصة أخرى تروم المؤلفة كشف الحجب عنها باستدعاء طاقة الانسان على الضحك ، الضحك بما هو تهكم من الإرهاب، فهل مازال بوسعنا أن نضحك في أوطان صارت ركحا للدماء؟وأيّة وسائل متاحة للضحك من الإرهاب ؟ لقد مثّل فن الكاريكاتورتعبيرا فنيا صادقا وصارخا  ضد حرّاس المعبد وهناك أيضا كثيرا من الرسومات الضاحكة والمضحكة حين يكون الفن تعبيرا عن عذابات الناس وشكلا لصمودهم ، إن الكاريكاتور أسلوب في السخرية والتهكم ضد العابرين في الزمان العابر لأنه يخلّد الروح ويسمو بها ، الكاريكاتور فن يشتغل على ملامح الوجه فيشوّهها أين يثير لدى المتلقي الاشمئزاز ويستفزّه ، الكاريكاتور بعثرة للنظام ولا ينتمي لمدرسة لها كهنتها  وعسسها الذين يراقبون ويحكمون ، إنّ فن الكاريكاتوريوتّرالبصر ويُدخل فيه مؤثُرات حينئذ يعيد الرسم للعين جمالها ولو كان المشهد قبيحا ، الكاريكاتور خارج اللغة لأتّه كثرة وضد الواحد المستبد .

يعلّمنا فن الكاريكاتور أنّه ليس للإنسان المقهور إلاّ أن يضحك إزاء هذا الدمار حيث يُحدث في الأنا شرخا ويخرج بنا من طمأنينة المواضعات ، وإذا كان الوجه نتاجا اجتماعيا حيث تكون المجتمعات في حاجة إلى الوجه فإنّ الكاريكاتور يفكّك الوجه ويعرّي ما فيه من قبح ، وفي سياق هذا الحقل الخاص بجماليات القبح تستحضر المؤلفة بعض النماذج الفنية  مثل رسومات ناجي العلي وما ترمز إليه شخصية حنظلة  وجماعة شارلي أيبدو واشتغالهم على رسم المقدس بأسلوب ساخر الأمر الذي يحمل على التساؤل : هل ثمّة ما يبرر السخرية من المقدّسات تحت عنوان الإ بداع الفني ؟ ولكن في المقابل هل هناك حدود لحرية الإبداع ؟ لم تعد المسألة متعلّقة فقط بالحرية والإبداع بل إنّ فن السخرية يستجلب لساحته مكر السياسة حيث تكون ميدانا للفن ساعتها ينزع القداسة عن أفعالها إذ لا وصاية لأحد على أحد بل أكثر من ذلك إنّ السخرية تمرين الأنا للتهكم من إنّيتها ، فمن لا يستقبح ذاته لا يراها ، هاهنا كما تلاحظ المؤلفة تبدو الحرية فعلا نابعا من قدرة البشر على الشر الجذري ، فما يجعلنا أحرارا هو تحديدا أننا أشرار بشكل جذري وتظل الحرية الوصي الوحيد على قدرتنا على الإختيار بين الخير والشر فلا حدود للحرية التي تحدّ من قدرتنا على الشر.

سيظل الفن حصننا الوحيد كي لا نسقط في العدم وما يحصل لنا من مذابح وفظاعات ليس سوى سحابة صيف  وسنظل نلتمس الدفء حذو هرقليطس الذي << لن تصيبه الشيخوخة أبدا >> بحسب تهكم مرح لنيتشه ، فالبهجة ملازمة للإ نسان  بمقدار قدرته  على الإبداع ، وما الفراغ إلاّ فقر العالم وخلوّه من مشاعر الفرح ومن  المشاعر الخلاّقة لأنّ الفن كما يقول بيكاسو << يغسل أرواحنا من غبار اليومي >> . في هذا السياق تستعيد المؤلفة على نحو تأويلي أطروحة انطونيونيغري حيث الرهان على الفن من أجل أن تستعيد الإنسانية قدرتها على الفرح والتحرر من نماذج مجتمعية  شبيهة بسوق البضائع، وترى المؤلفة أنّ الفن في هذا السياق هو ملك للجموع حيثما سلكت على نحو إبداعي  والرسالة الأساسية للفن تتمثّل  في مقاومة تسطيح العالم وتشيئته ، هذا العالم الذي ليس لنا بديلا عنه بل بإمكاننا أن نملك بديلا صلب العالم نفسه وذلك بتجاوز كابوس الرأسمالية التي ما انفكت تزرع قيم الرعب ، غير أن الطريف في أطروحة نيغري بحسب تأويل المؤلفة  أنّ الإنسانية لن تقدر على الشعور بالفرح إلاّ بما يسميه نيغري فن الرّائع الذي يعبر الفراغ  من أجل القطيعة مع حضارة السوق  ممّا يعني أنّ الفن ليس شأنا شخصيا أو نوع من اللعب بين المبدع والمتلقي ، بل هو فعل ينتسب للجموع وتبعا لذلك يحصل الجميل عندما تحدث القطيعة مع حضارة السوق ، إنّ الجمال تجربة تولد على حدود التعب  بل إنّ أطرف ما في الفن أنّه ليس مجرد التزام بالدفاع عن عقيدة سياسية أو ايديولوجية ، إنّه يستطيع أن يمنح الجمال للعالم ولا يُختزل في الذود عن مذهب وكل قدرة على إنتاج الجمال تمنح الإنسانية سردية من أجل المستقبل وبالتالي نحتاج إلى مخيّلة الجموع كي نندفع نحو حدث جديد .

لقد اكتسب الفن مشروعية حضوره بفعل تزايد القلق إزاء ما يحدث ، فهو قائم في العالم لتجديد قوى الحياة في عصر تعاظمت فيه أساليب التلاعب بالإنسان ، يصلح الفن إذن لاختراع المستقبل ولكن دون هروب من عالمنا الذي لا نملك بديلا عنه . إنّ الفن كما ترى المؤلفة ليس من أجل الترفيه فما أكثروسائله اليوم إنّما هو خلق للمعنى لمقاومة الفراغ ، فكل قصيدة أو لحن أو رواية هي وعد بمستقبل أجمل وإذا سلّمنا بالتلازم بين الحرية والإبداع فهل يأمل الإنسان الفوز بالسعادة إذا كان الفن قلقا إزاء المستقبل ولا يقيم إلاّ على تخوم الكارثة ؟

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: