القلم الخائن

العربي يقرأ

القلم الخائن

محمد كمال نصور – سوريا

كانَ راضي كاتباً عظيماً , يَبرعُ في صياغة الجُمل و وصفِ الأحداث بمصداقية و بدقة ومهارة ,وكانت مهمتهُ مرافقة الجّيش في الثُّغور, وهو صلّةُ الوصل الوحيدة بينَ المدينة و الجيش الّذي يحارب العدو, يُرسلُ أخبار انتصار الجيش الّذي يستبسلُ في الدّفاع عن شعبهِ, فتأتي الرّسالة في البداية إلى الملك ,يقرأُها ثم يرسلُ مبعوثاً إلى سوق المدينة لينشرَ الخبر على الملأ , فيشعر الشَّعب بنشوة الانتصار وترتفعُ معنوياتهم ويتشجعون للذهابِ إلى أرضِ المعركة والانضمام للجيش, كل أسبوع تنطلقُ قافلة جديدة من المدنيين الطامحين بالمشاركة في صُنعِ الانتصار.
كان راضي يشعر بالفخر لأنّهُ الوحيد الّذي يُتقِنُ القراءة و الكتابة بالإضافة إلى الملك ,فقد دمرت الحربُ البُنية التَعليمية في المدينة وحوَلتها إلى مُعسكراتٍ تدريبية للجنود , فطلبَ من قائدِ الجيش منحهُ وساماً وترقيتهُ ليصبحَ قائداً, وإعطائهُ أكبرَ حصةٍ من الطعام والغنائم , لكنَ قائدَ الجيش رفضَ مبرراً ذلكَ بأن كُلَ من في الميدان يشاركُ في القتال إلا هو , وأردفَ قائلاً : كل شخصٍ شاركَ في هذهِ الحرب سيُمنحُ وساماً ولكن بعد انتهاءِ الحرب , أَمَا الآن فهذا وقتُ العمل وليسَ وقت المكافئات, شعرَ راضي بالغضبِ لأنهُ لا يعامل كما يجب أن يعامل شخص مثقف كرسَ كل إمكانياتهِ للدفاعِ عن وطنهِ.
في إحدى ليالي الصَّيف بعد انتهاء المعركة وإحراز نصرٍ جديد , اجتمعَ الجُّنود في وسط المعسكر يقتسمون الغنائم و يحتفلون بالنصر , كان راضي في خيمتهِ منعزلاً عن الآخرين ,غير مبالٍ بالنصر , فنصرهُ الوحيد عندما يحصلُ على ترقيةِ , ومعركتهُ الرَّئيسية مع أبناءِ مدينتهِ و حاكمها الذي لم يعطِ المثقفَ الموهوب ما يستحقهُ , لمحَ راضي خيالاً يتحركُ خارج الخيمة ثُمَّ دخلَ بسرعة إلى خيمةِ راضي , رجلُ طويل القامة ضخم البنية , خاف راضي بعدما عَلِمَ أن هذا الرّجل من جيش العَدُوُّ , ظناً منهُ أن هذا الغريب يريد اغتيالهُ ,لكن ذاك الرُّجُلُ طمأنَ راضي بقولهِ: لستُ هنا للقضاء عليك بل أرسلني سيدي لأقدمَ لك عرضاً , ستكون عوناً لنا في هذهِ الحرب ,ستُرسِلُ أخبار ملفقة إلى مدينتك لتشويه سمعة الجيش ومنع النّاس من الالتحاق بصفوف المقاتلين , وستحصل بالمقابل على المال ومركز مهم في جيشنا .
قبل راضي بدون تردد كنزه شخص طامح للمجد و الشهرة بالإضافة لطمعه الشديد بالمال الذي أعمى قلبه عن التفكر بمصير شعب كامل,
بدأ راضي يرسل معلومات عن الجيش للعدو(عدد المقاتلين-أسلحتهم-أماكن تمركزهم) , وأرسل معلومات مضلله للملك عن أن الجيش يخسر ويتراجع وقريباً المدينة بأكملها ستسقط , وصلت الرسالة للملك فحاول إخفاء حزنه ومزق الرسالة الأولى عسى الأوضاع تتبدل قبل انتشار خبر الخسارة بين المدنيين , طلب الملك من الرسول الذي يذهب كل أسبوع للميدان لإحضار الرسائل أن لا يخبر أحدا عن تمزيق الرسالة , ولكن الملك لم يتمكن من إخفاء محتوى الرسالة الثانية , فخطب في شعبه طالبا منهم أن يجهزوا لهجوم العدو على المدينة في أي لحظة , خاف المدنيون على أنفسهم ولم يعد أحد يرسل أولاده للمشاركة في القتال خوفا من بطش العدو, احتكر التجار كافة أنواع البضائع فارتفعت الأسعار و كثرت عصابات النهب و السرقة لتأمين الطعام , هاجر العديد من السكان إلى مدينة محايدة لا تشترك بالقتال, وبعد شهر كانت رسائل راضي قد فتكت بالمدينة كما لم يفعل العدو , وحتى الجيش استغرب عدم وصول قوافل الطعام و الإمداد و المقاتلين إليهم فظنوا أن الملك تخلى عنهم فتحطمت معنوياتهم و كثر الفرار و الانسلاخ من الجيش , لكن الملك الشجاع رفض الذل وقال لوزرائه : أن أموت في أرض المعركة أشرف و أعز من الموت في القصر كالجبناء , لبس درعه و حمل سيفه ومضى ليواجه مصيره بكل شجاعة.
عندما وصل الملك كان الجيش يتقدم رغم كل ما تعرض له من خيانة ورغم الظروف الصعبة التي واجهها بسبب نقص الطعام و الدواء و المقاتلين, تعجب الملك فسأل قائد الجيش عن نتائج المعارك في الشهر الماضي, فقال قائد الجيش : لقد كنا نتقدم بسرعة إلى أن توقفتم عن إرسال الطعام و المقاتلين . رد الملك مستغرباً : ولكن نحن لم نتوقف عن دعمكم إلا بعد انتشار خبر خسارتكم و تخوف الناس من العدو, هنا علم الملك أن راضي كان الخنجر الذي طعنهم في الظهر , في هذه اللحظات كان راضي في خيمته وقد أدرك أن مخططه كشف و سلسلة أكاذيبه تم قطعها ولم يجد سوى الهرب طريقاً للنجاة من العقاب ولكنه ما إن خرج من الخيمة حتى وجد نفسه مطوقاً بالحراس , تم تقييده بالسلاسل وربطه بحصان الملك ليقوم الملك بجره إلى المدينة ذليلاً مهاناً , تمنى راضي الموت وانتظر حصول معجزة تنقذه من الورطة التي وقع فيها بسبب جشعه و تكبره و اعتبار واجبه الوطني فضيلة يجب أن يكافأ عليها, ولكن عندما دخل المدينة أيقن أن العقاب واقع لا محالة , أمر الملك بصلبه في ساحة المدينة ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه التآمر على شعبه و جيش وطنه لصالح العدو , بقي راضي معلقاً إلى أن مات .
(( يقال أن روح راضي و بعد ألف عام من الحادثة تجول بيننا و تتقمص أجساد مدعي الثقافة , لتمارس عهرها الثقافي مقابل المال و المناصب))

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Next Post

قصّة مُعلم الكرم

هيفاء بنّور – تونس شخصية جحا مشهورة عبر الأزمان و البلدان. تناولها العديد من الكتاب في قصص قصيرة، هي أقرب للنوادر منها إلى القصص. و صدرت في سلسلات أو على شكل مجموعات قصصية، أغلبها موجه للأطفال الصغار. من بين الكتاب الذين تناولوا بالعمل نوادر جحا، نجد عميد آداب الطفل العربي […]

مقالات مشابهة