الكورونا.. بين الخطر المحدق و الدروس المستوعبة

مقال : ناظم كسابي – كاتب و مدوّن تونسي

دخلت أزمة فيروس كورونا في نفق المجهول و دقت طبول الحرب من كل حدب و صوب للتصدي لهذا الضيف الثقيل الذي حل بالبشرية منذ عدة أشهر ليفتح أعين العالم على تهديدا حقيقيا لنسل البشرية جمعاء. كورونا أو ذاك الفيروس العابر للقارات عزل العالم عن بعضه بطريقة مريبة قد يشكل بلغة الجيولوجيا “an extrem event” و الذي عادة ما يؤدي إلى آنقراض بعض الكائنات و إلى تجديد المنظومة الحياتية الكونية. كورونا بلغ مرحلة الوباء بتصنيف منظمة الصحة العالمية مما يجعل مصير الإنسانية مفتوح على جميع السيناريوهات المحتملة و من هنا باتت مجابهة هذا الوباء حتمية تشاركية قصوى ربما تمثل التحدي الأكبر للإنسانية على مر التاريخ المعاصر لإثبات أهليتها بالرسالة الكونية المنوطة بعهدتها.
العالم يموت يا سادة، نعم إنه يموت بسرعة جنونية و لم نستطع أن نحرك ساكنا، لقد تحول الوباء من البعد “الميكروعضوي”
إلى “المقاربة الماكروكونية” الخارجة عن السيطرة، ربما لا نبالغ أو نتبنى نظرية المؤامرة حين نقول أننا نعيش آندلاع
الحرب العالمية الثالثة لكن هذه المرة بثوب بيولوجي بحت، فمن يتابع تطور الحروب على مر التاريخ سيلاحظ النهج الذي سلكته القوى العالمية الكبرى من الحروب المباشرة التي تخلف الكثير من الضحايا إلى الحروب بالوكالة التي أثبتت فشلها نسبيا خاصة في الشرق الأوسط من خلال تهديد المصالح العالمية المشتركة كمنشآت البترول و الغاز و آستهدافها من حين إلى آخر وصولا إلى الحروب الإقتصادية، الطبيعية و البيولوجية التي نعيش على وقعها في الوقت الراهن. حين نتمعن جيدا في منشأ الوباء ألا و هو “جمهورية الصين الشعبية” و آمتداده بصفة سريعة وضارية ليطال إيران و إيطاليا و أوروبا عامة يتعزز لدينا اليقين بفرضية الحرب البيولوجية بإدارة الولايات المتحدة الأمريكية التي ما فتئت تتبع ثقافة “جنون العظمة” و سياسة
السيطرة على العالم و ممارسة الوصاية و التألّه على الشعوب البائسة حفاظا على مصالحها الإقتصادية العليا و تموقعها الجيوإستراتيجي و مع ذلك فالحروب دائما لا رابح فيها غير دود الجثث وحسابات الرأسماليين في “بورصات الدم” في زمن توحش الرأسمالية و الهولوكوست الفكري…..في نهاية الأمر تبقى الحرب البيولوجية فقط مجرد فرضية محتملة لولادة الموت من رحم المؤامرات حيث تتأرجح الفرضيات بين نظرية المؤامرة و نظرية العدالة الإلهية و القدر و الحتمية الكونية. من زاوية أخرى أكثر عقلانية، بعيدا عن النظريات الموروثة و المؤدلجة التي ترتكز على شيطنة الآخر دون الخوض في مسؤولية “الأنا” و “النحن”، يمكننا الذهاب بعيدا في الإعتقاد أن وباء كورونا المستجد هو عبارة عن رسالة إلهية كونية تحمل في طياتها شيفرات مبطنة للدروس التي يجب آستيعابها و الأخذ بها.
النقطة العادلة في الكورونا أنها لا تؤمن ب “جغرفة الموت”
النهايات الآن توزع بشكل عادل لتوحد مصير العالم و تؤكد أننا
نتشارك نفس المصير فإما أن نحيا سويا في سلام أو نفنى جميعا كالأوغاد…
حين يخرج الوضع عن السيطرة و يحيد الإنسان بالرسالة المنوطة بعهدة الإنسانية نحو المجهول….حين يغمض العالم عينيه عن الابادة البشرية و جحيم الحروب اللعينة… حين تغتيل الطفولة و الحياة عامة باكرا و ينتفي مفهوم الوطن و الوطنية و ينام ضمير البشرية جمعاء… حين تغزو الوحشية جميع القلوب… حين يتحول العالم بأجمعه إلى خراب، لا بد من إضفاء عنصر جديد كي تتغير المعادلة، لا بد من إضفاء بصمة العدالة الإلهية، حينها فقط تصبح الكوارث الطبيعية و الأوبئة حتمية كونية لكي يقف العالم على حجمه الحقيقي في دائرة المنظومة الكونية.
لقد كنت ذلك الشاهد المحايد أيها العالم أو ربما شاهد زور، تغض البصر عن إبادة الإنسانية و الحروب الطائفية في أغلب البلدان العربية تحت سقف وظل أدلجة الإنسانيات. الآن و قد تغيرت المعادلة و صار الجميع في مرمى الموت يجب أن نستخلص العبر على جميع المستويات، لا بد من إعادة توزيع المفاهيم و ترتيب البيت الكوني في إطار مصالحة كونية لبسط رسالة السلام ولتكريس جدلية التعايش وثقافة المقاومة الكونية.
على المستوى العربي والوطني، أزمة الكورونا جعلتنا نتوقف و نتأمل في حجم “الحجر الفكري” الذي نعيشه في ظل عالم متسارع الأحداث و الإنجازات، جعلتنا نكتشف تموقعنا الفعلي بين الأمم المتقدمة و عرّت وهن منظومتنا العلمية و البحثية التي ترتكز أساسا على ثقافة العلاج التبعي لا الوقاية.
في حين تسابق العديد من الدول الزمن لآكتشاف لقاح لفيروس كورونا و يشهد البحث في مسببات و طرق الوقاية من هذا الفيروس المستجد نسقا ماراطونيا و في حين تُنشر بشكل يومي العديد من المقالات العالمية في المجلات العلمية بخصوص هذا الفيروس، تنتهج الدول العربية بما فيها تونس سياسة النعامة و ثقافة التواكل في آنتظار “لقمة باردة” تمن بها علينا الصين أو غيرها…
لسائل أن يسأل ماذا فعلنا للتوقي من مثل هكذا كوارث؟!
طبعا لا شئ، فقط نكتفي بدور المشاهد عن بعد و كأن الأمر لا يعنينا ونحصي أعداد الضحايا يوميا و ننتظر معجزة تحصل كي نعيد السيطرة على الوضع…
يا صديقي هناك ما يسمى “البحث”، هناك ما يسمى بفلسفة الإستثمار في الأزمات في ظل عالم ستغزوه الحروب البيولوجية بدلا عن الحروب الكلاسيكية المباشرة و الحروب بالوكالة…
لا تكتفي بالوقوف على الربوة و تنتهج سياسة الأرض المحروقة.
متى سنستثمر في كفاءاتنا إذا لا نوظفها في مثل هكذا ظروف؟ لماذا ندرس إذن الميكروبيولوجيا و البيوكيمياء و الصيدلة و غيرها من الشعب المرتبطة بعلم الفيروسات إذا لا نجد تمويلا لإنجاز مشاريع بحثية و مقالات ذات صلة بالمرض… في دولة تحترم نفسها و مواطنيها تبعث خلية أزمة علمية من خيرة الأساتذة و الأطباء و الدكاترة تشرف على أنشطة المخابر للشُعب الآنف ذكرها كالطب و الصيدلة و البيولوجيا و الكيمياء و تنسق مع غيرها من الدول لمكافحة الخطر الداهم…

رغم إيماننا بقيمة كفاءاتنا الطبية، تخيلوا لا يوجد و لا مقال و لا دراسة عربية أو تونسية على وجه الخصوص تستحق الذكر لفرضية معالجة الفيروس و هذا يعكس تمشي خاطئ من دولنا و إهمالها للبحث العلمي مقابل صعود بورصة “نظام التفاهة”… يا أخي إبحث و آخطئ و آنشر الفرضيات و الدراسات و المقالات و آسعى مع الساعين و لا تبقى فاتحا فاك للريح… كل شئ نسبي في الحياة و قابل للخطأ، فلماذا نستحي من أن نحاول و بذلك يكفينا شرف المحاولة حتى إن لم نتوصل إلى شئ… لكل حرب جنودها و الجندي لا يدير ظهره للوطن مهما كان و ما سيكون… ربما الدرس الرئيسي الذي يمكن إستخلاصه هو أن لا تفرط الأوطان في نخبتها لمثل هكذا أيام و هكذا مواقف و كفانا تحويل الحمقى إلى مشاهير….
من الزاوية الأدق، تنطلق رحلة المقاومة من الوعي الذاتي، من الوعي بخطورة المرحلة و السعي نحو إنقاذ العالم من الفضاء و المقاربة الذاتية إلى السلوك العامي أو سيكولوجية الجماهير إلى الفضاء العالمي المطلق….تنطلق من إدراك الإنسان لحجمه أي أن ذاك الإنسان بكل جبروته أوهن من خيط العنكبوت لدرجة أنه مخترق في حياته من مجرد فيروس مجهري لا يرى بالعين المجردة إضافة إلى أهمية المقاومة التشاركية بعيدا عن ثقافة الربوة و سياسة الأرض المحروقة و عقيدة “اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ”…من هنا و إلى هنا فقط يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الخراب المحتمل الذي سيخلفه وباء كورونا.
ختاما، من زاوية شخصية و من الواقع المعاش، ربما أقسى شعور يمكن أن تحس به كمختص في البيولوجيا ذات العلاقة بعلم الفيروسات أو صيدلي أو كيميائي و غيرها من الإختصاصات ويحتاجك وطنك، مجتمعك، عائلتك و حتى نفسك و تجد يداك مكبلتان ليس لديك ما تفعله…حينها تطفو على السطح تلك المقاربة الوجودية التي تطرح فيك التساؤلات حول المغزى من وجودك :
*لِمَ درست؟
*لا أعرف
*أين مخابرنا
*حولت إلى ملاهي و مراقص
*أين الإمكانيات؟
في جيوب المسؤولين و الأرستقراط
*أين الوطن ؟
*أين الوطن ؟
هنا تنعدم الإجابة في حضرة جلل السؤال و رمزية الوطن…
هذا بعض مما نعيشه الآن و هكذا يبدو رجع صدى الأصوات الخارجة من الحرب الطاحنة التي تدور في دواخلنا…
في نهاية الأمر نتذكر أننا معطلون عن الحياة برمتها في إطار أجندا كونية كاملة فنستسلم لسلطة الواقع البائس و نعود إلى بوتقة “الحجر الفكري”
في النهاية، يقينا لا شك فيه سيخرج العالم من هاته الأزمة لكن سيخرج منهكا و نحن فقط تلك الشعوب البائسة، نحن من سيدفع الثمن حتما و سندفعه باهظا، فآستوعبوا الدروس يا أولى الألباب…

ناظم كسابي