المتنبي بقلم العلامة محمود شاكر

مراجعة: يوسف الأندلسي- الجزائر

تجربتي مع كتب محمود_شاكر رحمه الله كانت مغايرة لكل تجاربي الأخرى مع الكتب و الكتاب ، هذا الأديب الأريب يمتلك قدرة غير عادية على التأثير في الأفكار و النفوس ، و كأنه يضع الكلم في مواضعه من غير أن يجعله هذا متأليا على أحد ، و تفرغه للقراءة الفاحصة لكتب التراث و النقد و التاريخ جعلته أكثر دراية ( ليس من طه حسين و لويس عوض فقط .. ) و إنما من الجميع في وقته رواية و دراية !! و قد كانت معركته حول الشعر الجاهلي مع طه حسين و المدافعين عن منهجه حربا عنيفة تردد صداها في الآفاق و لا يزال لحد الآن ! . أما عن كتاب ( المتنبي – رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ) فهو أجمع كتاب ألف في دراسة سيرة شاعر العربية الأعظم أبي الطيب المتنبي – رحمه الله – و هذا الشاعر كان و لا يزال محل جدل و كلام و نقاشات بين الدارسين و الباحثين ، كون حياته كانت متشابكة على غير العادة بكم هائل من الغوامض ! كنسبه و ادعائه النبوة و طلبه للملك و غير ذلك ! و لذا فقد حبرت العشرات ( إن لم يكن أكثر ! ) من الكتب عنه ، من السابقين الذين تعرضوا لشرح قصائده و بيان سرقاته و المآخذ عليه و الموازنة بينه منهجه في نظم القصيد و مناهج من سبقوه و عاصروه ، و كثرت الشروح على ديوانه كثرة بالغة جدا ! ، و قد كانت مجلة المقتطف في العصر الحاضر قد خصصت أحد أعدادها حصرا للمتنبي بمناسبة مرور مائة سنة على ميلاده ، و أوكلت مهمة الكتابة عنه تفصيليا للعلامة محمود شاكر ! ، و علاقة العلامة بالمتنبي قديمة جدا ، فقد حفظ ديوانه كاملا منذ نعومة أظفاره و كان له إلمام و غرام عظيم بسيرة هذا الشاعر ، فخط كتابه هذا ليخلد اسمه مع اسم المتنبي في ديوان الأدب العربي المعاصر ، و أسلوب الأستاذ محمود ( المشهور بلغته الجزلة الفصيحة الممتعة و الساخرة أحيانا ) عاليا في الإمتاع و الإقناع ، على أنه عالج معظم القضايا الشائكة في سيرة أبي الطيب ، و فاجأ المجتمع الأدبي بعدة اكتشافات لم يسبق إليها ، كقوله إن المتنبي كان بينه و بين أخت سيف الدولة قصو عشق و حب ! ، كما أنه استدل بما لا يدع مجالا للريب أن روايات ادعاء الشاعر للنبوة غير صحيحة و ساقطة في ميزان التحقيق العلمي ، و يبدو ظاهرا من طريقة التحليل و الشرح للشعر في هذا الكتاب أن محمود شاكر صاغ لنفسه منهجا خاصا به لوحده في تحليل النص الأدبي ، معتمدا فيه أو في بعض أسسه على التذوق النفسي الخالص ! ، كما أننا لا ننسى أنه قدم لهذا الكتاب بمقدمة نفيسة سماها ( رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ) و قد طبعت مرارا على حدة ! كشف فيه زيف الأفكار التغريبية و مشاريع المستعمرين و المستشرقين في محاولاتهم شل الذاكرة الثقافية و التاريخية للعرب و المسلمين ، محذرا فيه من التهاون بأمر الغزو الفكري و خطره على التعليم و الثقافة و الأدب في العالم الإسلامي ، الكتاب من أمتع ما قرأت و لازلت بحاجة لقراءة ثانية له و هو معدود عندي ضمن الكتب التي تركت آثارا غير قابلة للمحو من ذاكرتي .