الوطن… بين رحابة المفهوم و ضيق الأفق
تونس ذكرى عيد الإستقلال 20 مارس 1956

مقال : ناظم كسابي – كاتب و مدوّن تونسي

عيد الإستقلال تونس 20مارس 1956 – 20 مارس 2020

الوطن مفهوما ليس فقط البلد، الوطن هو ذلك الكيان الذي تنعم فيه بالأمان و تحس فيه بوجودك كإنسان…و الذي يحتويك في عزلتك و غربتك و في خيباتك قبل نجاحاتك، هو الحضن الدافئ الذي تلجأ إليه و الكتف الذي تستند عليه حين تعود متعبا مع مساء أيامك…الوطن هو اللجوء لرمزية و قدسية المكان و أمجاد الأزمنة، هو تلك الحالة الشعورية الروحية التي لا تخضع لمنطق النفعية و هو القضية الأم التي تنصهر في جوهرها لتتشاركا نفس الكيان، و هو أن ينهزم سؤال “مالوطن؟” في حضرة عمق الإجابة و يتحرر من سجن البلاغة الشعبوية لأن الوطن أعمق من أن يشكل نصا أو قصيدة.
الوطن هو عمق كلمات درويش و كنفاني وسميح القاسم، و هو صورة الجد و الإبن الشهيد المعلقة على جدار الذاكرة، و شجرة الزيزفون و الزيتون المتجذرتان في عمق الأرض التي ولدت من رحمها هويتك، هو صوت الحياة الخارج من المعسكرات و المدارس و المصانع، هو الطالب و المعلم و الجندي و الفلاح و الكادحيين و رفات الشهداء، هو الماضي و الحاضر و المستقبل و هو كل هاته المصطلحات الوفية في حضرة جحود اللغة و هجران الكلمات.
الوطن هو أن لا يصبح الرغيف أكبر مرادك و أن لا تجوع لأن الجوع كافر بعقيدة الإنتماء…هو أن لا تموت قبل أن تموت و أن لا تموت قبل أن تعيش و أن لا يتوقف بك الزمن و انت تعيش…الوطن هو أن لا تكون الراحة في الموت و لا الموت في الزنزانة و أن لا تكون الزنزانة أضيق من اللحد و لا اللحد في موطن المنفى. الوطن هو أن لا تكون ضعيفا فتستباح حرمة أفكارك و تسلب هوية قلمك و حرية صوتك و أن تجد متسعا لكلماتك و لجثتك حين تنتهي الحرب و تعود إلى أحضان لغتك.
الوطن هو أن لا اموت انا و ذاك كي يعيش الحاكم تحت مسمى الوطنية، هو أن لا تستباح و تحل دماؤنا لآعتبارات إيديولوجية و فكرية. الوطن هو أن لا تحدث كل هاته الفوضى و كما قال غسان كنفاني”-أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله”.
هذا هو الوطن و ما زاد عن ذلك فهو ثرثرة و شعبوية لصوص السياسة لإيهام العامة بوجوب التضحية و الموت فداء لهم..
حين نتطرق إلى الوطن بمفهومه الكلاسيكي أي الرقعة الترابية التي ننتمي إليها، يجب أن يقف حتى القلم إجلالا أمام رمزية المكان ككيان لأنك ستجد قطعة من روحك مزروعة في تفاصيل هاته الأرض. لكن حين ننظر إلى وطننا بنظرة شمولية، سوسيولوجيا، إيديولوجيا و آقتصاديا و هذا ينسحب تقريبا على السواد الأعظم من الوطن العربي سنجده كمقبرة تسودها رائحة الموت و أصوات الجياع و أنين المهمشين و نواح الثكالى على إيقاع صوت الرصاص، كفصل خريف تسقط فيه كل أوراق التوت على أعتاب الهزيمة و تتعفن فيه الكلمات لغيابها المطول عن كتابات العظماء، كرواية حزينة أغتيل فيها الحلم منذ البداية لتمرده على أعراف سطوة القسور الفكري و كزنزانة للفشل الذريع في بسط روح الإنتماء لدى الراحلين إلى أفق المجاز. هنا تخلق جدلية عقم الوطن و وجوب الإنتماء، على عكس الأوطان التي تحرم مواطنيها، هناك شرخ كبير و هوة عميقة و لخبطة على مستوى المفاهيم. ﻓﻲ ﻭﻃﻨﻲ ﺗﺨﺘﻠﻂ ﺍﻟﻤﻔﺎﻫﻴﻢ ﻭ ﻳﻌﺎﺩ ﺗﻮﺯﻳﻌﻬﺎ ﻭ ﺗﻄﻮﻳﻌﻬﺎ ﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﺴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻤﻮﻗﺮﺓ ﺍﺳﻤﺎﺅﻫﻢ ﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟين ﻭ ﺍﻟﺮﺍﺳﻤﺎﻟﻴﻴﻦ ﻭﺍﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻨﻔﻮﺫ و الطغاة، في المقابل نموت نحن اللاجؤون من العدم إلى العدمية و نجرد من حتى رمزية الحياة البسيطة. تلك الهوة تتجسد هنا ربما في لعبتي “الخربڨة” و “الشطرنج” حيث تمثل اللعبة الأولى الدول الغربية و غيرها من الأوطان التي تحترم الإنسانية أين يُعتبر الجميع جنودا للوطن من المواطن البسيط إلى الرئيس بينما تمثل لعبة الشطرنج الدول و المجتمعات العربية التي تسودها التقسيمات و توزع فيها الأدوار بطريقة غير عادلة حيث دائما ما يدفع البيادق أو الجنود البسطاء و المواطن البسيط الثمن فتزهق أرواحهم بأرخص الأثمان فداءا للقادة و الجنرالات و حتى يعيش “أصحاب السمو” الملك و الأميرة سيدة القصر و كل أبناء الطبقة الأرستقراطية…

نحن من كتبنا على جدران المدينة روايات التضحية و خططنا على الأرض سطور البقاء، نحن من بنينا أسوار حصونك و أعمدة تاريخك. نحن أنا و انت و ذاك و الشهيد و ليسوا هم الغائبون بالحضور دائما و مع ذلك نحن الجزء الأكبر من المأساة التي تؤرق سكينتك يا وطني، فلم كل هذا الجحود و نكران التاريخ !!!
من لي بالقائل “الوطن ليس فندقا حتى تغادره متى ساءت الخدمة”…لقد ساءت الخدمة يا صديقي و ساء المزاج و صار الوطن فندقا رواده فقط من اصحاب النفوذ الإجتماعي و السياسي ومحترفي الخيانة و على قول أمين معلوف”لكل إمرى الحق في الرحيل، و على الوطن إقناعه بالبقاء”
الكل هاجر حتى أكثرهم وفاء للوفاء، هاجر العيد و القمر
و طائر الحسون، حتى الكلمات هاجرت أرض القصيدة و لم يعد الوطن يتسع للجميع. في نهاية الأمر لم نعد نطلب كثيرا من الرخاء فقط قليلا من العدل، لنتقاسم الموت مثلا، لنتقاسم الجوع و الحرمان، لنتقاسم الحرقة و الخذلان، لنتقاسم ليالي البرد و الحر في الملاجئ، لنتقاسم قطعة الخبز على ساحة الحرب و سنين الغربة و الغياب.
ربما نحن من أخطأنا في تقييم الموقف و قراءة النص أو فشلنا في إعادة صياغة الأحداث أو في قراءة الفنجان الذي تجرعنا منه مرارة الأحلام التائهة و مع ذلك مازلنا نحلم بوطن لا يبيع فيه الطفل المناديل على قارعة الأحلام و لا تنحني فيه عجوز الثمانين لتجمع القوارير، لا تنقل فيه الأحلام باكرا إلى الرفيق الأعلى ولا يموت فيه الشهيد مرتين و لا يعاد فيه تزييف التاريخ الذي لن يسعه إلا أن يلعننا و يمر، بطبعه لا يسجل الحماقات و لا يتوقف عند الأخطاء العابرة…

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: