بروتوكولات حكماء صهيون: للنار أوار لا ينكره من مات حرقا أو غرقا

مقال : حامد عرجون – تونس

في ظل هذه الظروف التي تمر بها سائر الدول العربية تقريبا، ألاحظ عودة بعض الشباب إلى كتاب بروتوكولات حكماء صهيون وذلك لتفسير العوامل التي أدت إلى التدهور العربي الملحوظ من جهة وإلى الإشعاع – الذي لا يمكن إنكاره كي لا أخون الحقيقة – للكيان الصهيوني من جهة أخرى.

ظهرت أول نسخة مختصرة من بروتوكولات حكماء صهيون في صحيفة الراية (زناميا) في سانت بترسبرغ بروسيا سنة 1902، ثم أعيدت كتابتها سنة 1905 باللغة الروسية من طرف الكاتب سيرغى نيلوس ثم ترجمت إلى اللغة الانجليزية تحت عنوان الخطر اليهودي وهي موجودة حاليا في المتحف البريطاني في لندن ومسجلة تحت رقم 3936D17 ومودوعة منذ سنة 1906. وهذه البروتوكولات هي عبارة عن وثائق أو محاضر جلسات تتضمن 24 بروتوكولا تتحدث عن خطة سرية لغزو العالم وفرض السيطرة اليهودية على جميع الأمم تحت حكم ملك واحد من نسل داوود ومستشاريه الثلاثة.

 

ظهرت أول نسخة مختصرة من بروتوكولات حكماء صهيون في صحيفة الراية (زناميا) في سانت بترسبرغ بروسيا سنة 1902

لم تلفت بروتوكولات حكماء صهيون انتباه أحد حتى أحداث الثورة الروسية سنة 1917 نظرا إلى وجود عدد كبير من اليهود في صفوف البلاشفة مما أدى إلى الانهيار المفاجئ وغير المنتظر لإمبراطورية أقل ما يقال عنها أنها عظمى (روسيا القيصرية). كما أن وعد ارثر بلفور سنة 1917 بإقامة وطن قومي لليهود على الأراضي الفلسطينية قد عزز صحة هذه البروتوكولات فأثارت ضجة كبيرة في صفوف الرأي العام حيث ظهرت طبعات كثيرة لهذا الكتاب في كثير من الدول وخاصة في ألمانيا (1919)، وفي لندن (جريدة التايمز سنة 1920 وجريدة مورننج بوست 1921)، وقد ترجمت أيضا إلى اللغة الفرنسية حيث كتب المترجم – الذي لم يذكر اسمه – في نهاية مقدمته للكتاب ” إذا كانت البروتوكولات من صنع حكماء صهيون حقا فإن كل ما يمكن أن يقال وينجز ضد اليهود يكون مشروعا وضروريا وسريعا، وإلا فاعلموا أن كل ما ذكر في البروتوكولات سوف يتحقق”.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن النسخة الروسية الأولى قد جمعت كلها واندثرت كما أن اليهود بذلوا كل جهدهم وسخروا كل نفوذهم في جميع الدول للحيلولة دون طباعة ونشر نسخ أخرى من هذا الكتاب. وتجيش عدة نقاد لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون لإبراز عدم صحة ما جاء فيه ومن أبرزهم وأكثرهم حرصا على ذلك نذكر – على سبيل الذكر لا للحصر – الصحافي والدبلوماسي البريطاني لرسيان وولف والصحافي فيليب جرافز ومراسل نيويورك هيرالد هرمان برنشتاين والصحافي الألماني اليهودي بنيامين سيجل، حيث أجمعوا على أن البروتوكولات من صنع الشرطة السرية الروسية (أكرانا) في زمن حكم القيصر الروسي نيقولاي الثاني الذي لاحق اليهود مستخدما في ذلك جميع وسائل التحريض الفكري والدعاية ضدهم وقد كلف رئيس قسم عملاء الخارج بيوتور روشوفسكي بتشويه سمعة اليهود. كما زعم هؤلاء النقاد أن روشوفسكي وجد ضالته في كتاب “حوار في الجحيم بين مكيافللي ومنتسكيو” الذي ألفه الكاتب الفرنسي موريس جولي سنة 1864 وكذلك في رواية “بيارتس” للكاتب البروسي هرمان جودش التي صدرت سنة 1868،  فقام روشوفسكي باقتباس ما ورد في هذه الأعمال وتحويرها في شكل بروتوكولات. وأنا نفسي رجعت إلى هاذين الكتابين وّأحط بهما علما وهما عملين فلسفيين لا يمتان للبروتوكولات بصلة ولو أن النقاد اختاروا كتاب الأمير لمكيافللي لكان ذلك أكثر إقناعا وأوفر حظا فيه. كما أن هنري فورد، صاحب كتاب ” اليهودي العالمي” نفى صحة البروتوكولات في حوار مع مجلة ” وورلد ” الأمريكية سنة 1921 واكتفى بقول : إن هذه البروتوكولات قد تنبأت تماما لما يجري اليوم.

أما الذي لم أفهمه هو كيف نفى المفكر المصري عبد الوهاب الميسري مؤلف موسوعة ” اليهود واليهودية الصهيونية ” صحة البروتوكولات. لكن في ما يتعلق بالمفتي المصري الدكتور علي جمعة الذي نشر مقالا في صحيفة الأهرام المصرية سنة 2007 أكد فيه أن البروتوكولات كتاب خرافي لا أساس له من الصحة وأنكر أنه كتب المقدمة لطبعة كتاب بروتوكولات حكماء صهيون التي تحمل اسمه، فذلك ليس غريب عليه هو صاحب الأقوال والمواقف المتضاربة على غرار موقفه من إعدام المرتد ومواقف أخرى من هذا المثيل، غير أن صفحة ” إسرائيل بالعربية ” على موقع تويتر التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية اعتمدت على قول الدكتور علي جمعة لدحض فكرة البروتوكولات وذلك في سلسلة من التغريدات التي نشرت يوم 28 نوفمبر 2019 وهو ما دفعني إلى الخوض في هذه المسألة القديمة.

تأخر – كعادتهم – العرب في ترجمة ونشر بروتوكولات حكماء صهيون، حيث ظهرت أول نسخة مترجمة إلى اللغة العربية، بعد قيام الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية سنة 1948، للكاتب محمد خليفة التونسي عن دار الكتاب العربي بالقاهرة سنة 1951 وقد تضمنت هذه النسخة دراسة مطولة للبروتوكولات بين فيها الكاتب خطورة الموضوع مؤكدا المؤامرة الصهيونية ضد العالم والتي تعود – كما وصفها الكاتب – إلى المؤتمر الأول الذي عقد في مدينة بازل السويسرية سنة 1897 تحت رئاسة تيودور هرتزل، ثم أورد محمد خليفة التونسي قصة البروتوكولات – والتي أراها أقرب للواقع – حيث كتب: ” استطاعت سيدة فرنسية أثناء اجتماعها بزعيم من أكابر رؤسائهم الأعلياء في وكر من أوكارهم الماسونية السرية في فرنسا أن تختلس بعض هذه القرارات خفية وتفر بها، والقرارات المختلسة هي البروتوكولات التي بين أيدينا، وقد وصلت هذه البروتوكولات إلى أليكس نيقولا نيفتش كبير أعيان روسيا الشرقية القيصرية، فقدر خطورتها ونياتها الشريرة ضد العالم ولا سيما بلاده روسيا ثم رأى أن يضعها في يد أمينة أقدر من يده على الانتفاع بها ونشرها، فدفعها إلى صديقه العالم الروسي الجليل سيرغى نياوس الذي لا شك أنه درسها دراسة دقيقة وكافية، وقارن بينها وبين الأحداث السياسية الجارية يومئذ فأدرك خطورتها أيم إدراك، واستطاع من جراء هذه المقارنة أن يتنبأ بكثير من الأحداث الخطيرة التي وقعت بعد ذلك بسنوات كما قدرها، والتي كان لها دوي هائل في جميع العالم، كما كان لها أثر في توجيه تاريخه “. قدم لهذه النسخة العربية الأولى من البروتوكولات الكاتب المصري عباس محمود العقاد وقد كتب في آخر تقديمه للكتاب ” وأغلب الظن بعد هذا كله على ما ترى أن البروتوكولات من الوجهة التاريخية محل بحث كثير، ولكن الأمر الذي لا شك فيه كما قال شسترفيلد: أن السيطرة الخفية قائمة بتلك البروتوكولات “. وهذا يعني أن عباس محمود العقاد لم ينفي صحة البروتوكولات كما زعم البعض ولكنه في المقابل أقر بنتائجها (بلوغ أهدافها) وحسب رأيي أن من أقر بنتيجة شئ ما فقد أقر بوجود الشئ ذاته.

ترجمت البروتوكولات ثانية من طرف الكاتب الفلسطيني عجاج نويهض ونشرت سنة 1967 وهي مترجمة عن الطبعة الانجليزية الحادية والثمانين والصادرة سنة 1958 للسيد فكتور مارسدن، وقد بين عجاج نويهض صحة البروتوكولات بكل دقة (في أربع مجلدات) مستظهرا بجملة من الحجج التاريخية بداية من السبي البابلي حتى زمن نشر كتابه. كما أشار الكاتب تيموثي ميتشل في كتابه ” مصر في الخطاب الأمريكي” الذي ترجمه الكاتب بشير السباعي سنة 1991 إلى أن السياسة الإسرائيلية تتبع ما ورد في البروتوكولات إلى أقصى حد، وبين ذلك أيضا الكاتب عزمي بشارة في كتاب ” من يهودية الدولة حتى شارون ” والذي صدر عن دار الشروق سنة 2005.

في العقدين الأخيرين ظهرت عدة إصدارات جديدة لبروتوكولات حكماء صهيون ولعل أهمها كتاب الدكتور إحسان حقي عن دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، حيث نفى هذا الكاتب صحة البروتوكولات مستعملا في ذلك جملة من الحجج الواهية وغير العقلانية وأكد أن كتاب بروتوكولات حكماء صهيون كتب مرات عديدة وبطرق مختلفة ثم زعم أن ترجمته هي أقرب التراجم إلى الأصل وأصدقها، وهنا لا أعلم عن أي أصل يتحدث بما أنه تتوفر عدة كتب مختلفة بنفس العنوان، وهو من بين الذين زعموا أن عباس محمود العقاد نفى صحة البروتوكولات مع أن الأمر غير صحيح كما سبق وقدمت. ومن الإصدارات الجديدة للبروتوكولات نذكر كتاب الحسيني أبو يزيد عن دار النهار للنشر والتوزيع بمصر والذي صدر سنة 2012 وعدد صفحاته 208 صفحة خصص منها الكاتب 135 صفحة لتأكيد صحة البروتوكولات كما تناول فيها الجذور التوراتية لهذه الخطة الشريرة والخبيثة للسيطرة على العالم.

 

في العقدين الأخيرين ظهرت عدة إصدارات جديدة لبروتوكولات حكماء صهيون ولعل أهمها كتاب الدكتور إحسان حقي عن دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت

بغض النظر عن صحة هذه البروتوكولات وبعيدا عن نظرية المؤامرة، فإن ما نراه اليوم من انحلال أخلاقي وتفاهة العقول وخاصة في المجتمع العربي – المحافظ – وكذلك تدني مستوى التعليم والحوار السياسي، إنما هو ناتج عن ما تبثه بعض وسائل الإعلام بزبانيتها والتي – جميعنا – نعرف من يقوم بتمويلها ومن يقف ورائها.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: