وباء الكورونا قلب جميع الموازين

مقال: خديجة مسعودي – تونس

خديجة المسعودي

وباء كوني قلب جميع الموازين الإقتصادية و السياسية و القيمية في العالم

يستفيق العالم اليوم على ظاهرة وبائية كونية تجعلنا نتحدث عن حرب عالمية ضدّ عدّو مجهول جعلنا نقوم بمراجعات إيتيقية سياسية اقتصادية وفكرية، فلقد فرض هذا الظرف الخطير تغيّرات جذريّة على مستوى سياسيات البلدان ونمط العيش الاجتماعي وأربك الاقتصاد ومسّ حتى الإنساني.

ولعلّ هذا ما يدعونا ضرورة للتفكير في إعادة بناء المنظومات الصحية القائمة التي أثبتت عجزها على مجابهة الحالات الوبائية وفشلها في استيعاب عدد المصابين. وذلك من خلال اعتبار أنّ هذه الظاهرة الوبائية ليست الأولى من نوعها بل سبقها العديد من الأوبئة الأخرى، ووفقا لهذا يمكن الإشارة إلى أغلب السياسات التي أهملت الأبحاث العلمية وعدم رصد ميزانية تستوعبها وهو ما كان سيتيح للعالم والطبيب أدوات عمل حقيقية لمجابهة هذه الأزمات الصحية.

لقد تمّ طوال هذه السنوات الاهتمام ب”العالم الغربي المريح” على حدّ عبارة الفيلسوف آلان باديو  والاهتمام بالاقتصاد الرأسمالي في مقابل إهمال الأبحاث العلمية الوبائية رغم أننا نعلم أنّ هناك دورة تاريخية لهذه الأوبئة قد تعمل وفقا لمقولة “للعود على بدء” وتوقع ظهور فيروسات مستجدّة تستوجب أبحاثا علمية مطولة ودقيقة ومحاولات شتى للعثور على لقاح يجعلها تتبدد، بدل التعويل على فرضيات غير ناجعة ربما مثل “مناعة القطيع” التي طرحت في العديد من الدول.

إنّ هذا الفيروسcovid-19 الذي أذهل العلماء فضح ضعف المنظومات الصحية وانهيارها، وذلك نظرا لعدّة عوامل لعلّ أبرزها كما ذكرنا سابقا أنّ النظام الرأسمالي انكبت مجهوداته على تصورات اقتصادية متوحشة تقصي الأبعاد الإنسانية وتقصي العلم.  

ومن جهة أخرى، يمكن الإشارة إلى الاعتراف اليوم بقيمة العلم الذي أصبح السبيل الوحيد لإخراج الإنسانية من هذه الأزمة التي تهدد بقاء الإنسان ، ولعلّ هذا ما نلاحظه من خلال البرامج الإعلامية التي أصبحت تستضيف الأطباء والباحثين في مجال الطب، كما أنّ المشاهد أصبح يتابع هذه البرامج التي اختارت أن تأثث برامجها بعلماء وباحثين في الطب لتقديم التوصيات والتوجيهات في محاولة لتطويق هذا الفيروس المستجد.

لقد أزيحت كلّ الخرافات والتأويلات الدينية و أصبح التعويل على العقل البشري فحسب هو السبيل الوحيد لإنقاذ الإنسان وتطويق هذا الفيروس المستجد، ولعلّ هذا ما يدعمه تجّند الأطباء اليوم رغم غياب التجهيزات ووسائل الوقاية لمجابهة هذه الجائحة،  وتعريض حياتهم للخطر. وبناء على ذلك ألا يمكن أن تجعلنا هذه الجائحة نعيد التفكير في قيمة العلم والعلماء بعد أن تم تقويضها؟

ومن جهة أخرى، إنّ اجتياح هذا الفيروس العالم فرض نمط عيش جديد مما جعلنا نتحدث عن “عودة الإنسانية إلى بيوتها” على حدّ عبارة  الدكتور فتحي المسكيني، فلقد فرضت جلّ البلدان التباعد الاجتماعي والالتزام بالحجر الصحي العام مما جعل الفرد يحدث تغيرا جذريا في نمط عيشه وأصبح البيت فضاء جديدا للعيش، مما يجعلنا نتحدث عن انتقال من الفضاء العمومي حيث نفكر ونتواصل ونشتغل ونبدع إلى فضاء خاص يمثل الأمن والالتزام. وفي هذا السياق، أنشأ الفرد لنفسه نمط عيش جديد في هذا الفضاء الجديد في محاولة منه للتكيف مع هذه الأوضاع الصحية الراهنة. 

كما أنّ الفرد اليوم أوجد بديلا ربما للعالم الخارجي الذي أصبح يهدد بقاءه، إذ إستعان بالعالم الافتراضي للتواصل والعمل والترفيه والتقليل من ضغوطات الحجر الصحي وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيطا أساسيا للتواصل والتعبير عن الأفكار.

ولعلّ هذه “العودة إلى البيوت” جعلتنا نبحث ونطرح العديد من الأسئلة في علاقة بإنسان مابعد الحداثة ونقوم بالعديد من المراجعات في هذا الشأن، وفي هذا السياق يمكن أن نشير إلى أنّ الإنسان أصبح يفكر في حتمية الموت والحياة وكيف يستطيع أن يحقق البقاء، بعد أن كانت هذه الأسئلة خارج دائرة التفكير.

إنّ هذه العزلة جعلت الإنسان يفكر ويعمل عقله يخرج أطر اليومي ويرضخ كل الإحراجات التي كان يتناساها إلى البحث والفهم والتفكيك والتحليل. إذ اعتبر إدغار موران أنّ الحجر الصحي يعيدنا إلى ذواتنا لمراجعة عدّة مسائل وقيم كالحب والصداقة… كما أشار آلان باديو إلى أن هذا الالتزام بالحجر الصحي والعزلة قد تكون مجال لبيان قيمة الحقيقة والعلم  إذ يقول في هذا السياق:”دعونا حتى في عزلتنا وبالخصوص في خضمها، لا نمنح المصداقية إلا للحقائق التي يمكن التحقق منها بواسطة العلم”.

إنّ جملة هذه التناقضات التي فكرّنا فيها ومازالت مجال تساؤل ومراجعة هي نتاج ربما ل”عودة الانسانية إلى بيوتها” بعد أن أربكها اليومي وتسبب في قصور فكري وتناسي لقيم التضامن والحب والتعاون. ولعلّ هذا ما تجلّى مؤخرا من خلال المساعدات التي قدمتها بعض البلدان لأخرى متضرّرة من هذا الوباء ورسائل التضامن. وفي هذا السياق يؤكد ادغار موران على التضامن الدولي قائلا: “علينا أن نستعيد تضامنا وطنيّا لا يكون منغلقا وأنانيّا وإنما هو منفتح على مصيرنا المشترك فوق الأرض التي تجمعنا”.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: