في الذاكرة

نص : عائدة الجبنياني – تونس

و عاد صبحي ينفض غبار الغربة عن ثيابه و يمسح بيده على رأسه.
كم اشتقت لك يا رفيق الصبا!
بعينيك الساحرتين سواد كحلي، لحيتك الخفيفة وقامتك الطويلة و أنفك الدقيق و ابتسامتك العريضة لم تتغير ، ألحظ شحوبا يغزو تقاسيمك.. لكنك مرح كعادتك و دعاباتك لم تنقطع.
أذكر حين ركضت بي حينما تأخرت عن المدرسة وقلت احذري ها هنا بيت العنكبوت السام ، مسحت وجهي بأكفف يديك الدافئتين عندما تهاطل دمعي خوفا من الرعد و احتضنتني بعينيك حين أخبرتني بأسطورة المقبرة .
كيف لساذجة مثلي أن لا تصدق أحاديثك المختلقة وقد كنت أراك سبعي الشجاع ، تجمع عظام الحيوانات الميتة قائلا ” أترين يا فتون هذه عظام العم جابر السمكري، أتذكرين كيف توفي؟ سأصنع هيكله العظمي و سترينه ثانية ! ألم تتمني يوما أن يعود؟
هربت منك يومها مرتعبة و ركضت خلفي ضاحكا. لكنك وقفت بيني و بين كلب مسعور حين هاجمنا.
كذلك تشاطرني لمجة العاشرة صباحا قائلا : إنك أمانة استودعنيها والدك!
أهرب إليك حين يضايقني أحمد زميلك في الصف وألتجأ إليك كلما استعصت علي الفروض المنزلية . نختبئ معا داخل المقطورة المهجورة حين يلاحقنا عمي و تتلقى عني الصفعات كلما عبثنا بأغراضه الخاصة. لكنك تسخر من صورة الكلاب الصغيرة التي تملأ محفظتي مربعة الشكل .
تقول : ” أنت تحملين كلابا معك داخل المحفظة”
– كلا أقسم أنني أحمل كراسا و كتابا! أجيبك صارخة و أجلس على الأرض .. أفتح محفظتي وأريك ما كتبت ، تزيد من ضحكك سخرية بخطي المتواضع، ويحمر وجهي حنقا و غضبا منك. لكنك لحقتني للمنزل متعللا باستعارة قلم جاف و رسمت على غمازتي وردة و هربت تاركا البسمة على محياي.
كم أحببتك يومها يا صبحي ..
و لكم أحببت دعاباتك المضحكة و قطع الحلوى التي تدسها في جيب بنطالي، تسرقها من أجلي ، و تركع أمامي لتعيد ربط حذائي .
– فتون لن أسمح لأحد أن يزعجك.
– صبحي أنت من تضايقني.. لماذا تفعل بي ذلك .
– أنت إحدى أشيائي و يحق لي أن أفعل بك ما شئت.
-أكرهك يا ظالم..
صرخت بوجهي يومها و أفزعني وجهك الغاضب ، قلت لا تكرري هذه الكلمة مجددا ..
بيدأنك جئت ليلتها لتعيد القلم الذي استعرته مني.
و كتبت على يدي “لن أتركك”
قائلا: كم أنت قصيرة و دميمة و أنفك المحمر مقرف حقا لكنك فاتنتي!يومها التمعت عيناك شغفا و التمعت عيناي فرحا.
و الآن!
ها هي ست ساعات تمر منذ مجيئك و لازلت مختبئة داخل المقطورة المهجورة ، أنتظرك!
أمني نفسي أنك عدت من أجلي وستحميني بقامتك الفارعة كما اعتدت و ستداعب مكنوناتي بضحكتك الصاخبة و تثير غضبي و حماستي و تراقصني على ألحان الماضي، أحاول جاهدة أن أتناسى صورتها وهي تتأبط ذراعك، أصم أذناي كي لا أسمعك تقول : هذه زوجتي !
يخونني صوتك ساخرا: تزوجت العام الماضي وأنت ألا زلت على عهدنا؟
أجيبك بعناد : كلا موعد زفافي محدد الشهر القادم.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: