عبد الرحمان منيف و أرض السّواد

بقلم: منال الشعباني

تونس

تاريخ 05/12/2019

رياضةُ الصّيد وأرض السّواد من خلال عين عبد الرحمن منيف
يلجأ “ريتش” القنصل الانكليزي في صراعه مع باشا بغداد وشعبها كلما وجد صعوبة في قراءة ردود أفعال ‘هؤلاء الشرقيين’ لعمليّة تصنيفٍ لهم:
يصف حالاتهم ويعمّمها على أفرادهم، تماما كما قد يصفُ حالات حيوان. هم بدائيون ومختلفون. وتعامله معهم بارتباطٍ مع سياق محدد، دائما ما يترك السياق ذاته، والذي يكون كافيًا للفهم المحايد الموضوعي غالبا، ويأذنُ لنفسه أن يجول في طباعهم وهويتهم وانفعالاتهم ويُحاول -محاولات لا تخلو من ركاكة- تحديدهم، وقولبتهم.
ثم هو يستمتع بذلك ويمعن فيه وگأن الأمر لا يعدو كونه رياضة يمارسها، رياضة تذكّره أنه من الجنس الأذكى وأنه السّيدُ ويحلو له من خلالها الاعتداد بعضلاته الحضارية وتذكرُ ثقته بذاته وتفوّقها. رياضة الصيد لأجل المتعة، مارسها الملوك وأصحاب السيادة والجاه، لكنهُ في أرض السواد صيد العقلِ الشرقيّ..
هنا، وهذا الموقف بالذات الذي يقفه القنصل في كل اصطدامٍ موقفٌ يكاد يكون عالميا في التعامل مع شيء إسمه إختلاف.. يكفي أن يكون هناك شيء واحد غامض ومختلف عند الآخر ليبدأ التشريحُ والتحليل فيه، ليس باعتباره مشابها لنا وليس بالانطلاق من نقاط الشبه.
بل من الإختلاف ذاته الذي يتم التعامل معه على أنه جدارٌ بارد. أو شيءٌ ميِّتٌ نهائيٌّ!!
في حين يكون الإختلاف نفسُهُ حِكايةً تُحكى، ونبضا يتّصلُ، شيئا حيًّا قابلا للفهم. له بداية وليس له نهاية..
الإختلافُ، تماما كما كان ينبغي أن تكون عملية فهمه: ينطلقُ من الإتفاق والتشابه والتطابق. ينطلق من تلك النقطة التي تجمعنا ونسميها إنسانية، أو عقلا وقلبا، ليرسم لونه الخاصّ، ويرتّب جيناته بحسب ذوقه الخاصّ، بحيثُ يكونُ مميزًا لكن يبقى مع ذلك ابنا للإنسانية، ويكون ذاته لكن ابنا لآدم وحواء،
وتبقى حقيقته الأولى واحدة ثابتةً، كدليلٍ باقٍ على أن خالقه واحد.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: