عزاءات الفلسفة..كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة

مراجعة مجلة العربي يقرأ

في 320 صفحة من القطع المتوسط، صدرت الطبعة العربية من كتاب: “عزاءات الفلسفة.. كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة” من تأليف آلان دو بوتون، وترجمة يزن الحاج، ونشر دار التنوير للطباعة والنشر في بيروت.

في قالب قصصي جميل، وعبر سرد لتجارب شخصيات منتمية لحقل الفلسفة من عصور وأماكن مختلفة، (مثل سقراط، أبيقور، مونتين، شوبنهاور…) يحاول المؤلف استخراج خلاصات فلسفيةٍ تعين القارئ على مواجهة بعض مشكلات الحياة على نحوٍ يمنح الحياة معنى جديداً، ويجعلنا نعيش في عزاء حقيقي..

من خلال سرد محاكمة سقراط، يحاول المؤلف أن يوصل مفهوماً مهماً يتعلق بموقفنا من أفكارنا حين تلقى معارضة من الآخرين، قصة محاكمة سقراط وإعدامه بالسم تؤكد أنه كان متصالحاً مع نفسه، فما ينبغي أن يقلقنا ليس عدد الناس الذين يعارضوننا، بل مدى قوة الأسباب التي تدفعهم إلى فعل ذلك.

ومن خلال سرد موجز لحياة الفيلسوف أبيقور، وسرد أطول نسبياً لما وصلنا من أفكاره، يجد المؤلف أن الفلسفة الأبيقورية تقودنا إلى البحث عن السعادة من خلال الحرص على الصداقة، والحرية المالية، والتفكير.

ومن خلال قصة الفيلسوف سينيكا، الذي حكم عليه الإمبراطور نيرون بالموت انتحاراً، فتلقى الحكم بهدوء شديد، يقول المؤلف إن بوسع الفلسفة أن تعينه على وقاية نفسه من أكبر مسببات الإحباط، وهو رفع مستوى التوقعات، والإفراط في الأماني.

وهكذا، في سردٍ جميل، يستخرج آلان دو بوتون ألواناً مختلفةً من العزاءات، بشأن أمور تواجهنا في حياتنا، كالشعور بالعجز، وانكسار القلب، والمصاعب في مشوارنا على هذا الكوكب.

يضع الكاتب الفلسفة في صلب حياتنا اليومية، انطلاقاً من 6 محاور، مستخدماً الإرث الفلسفي لـ 6 فلاسفة، عاشوا في عصور مُختلفة، بهدف مقاربة الهموم البشرية». تجنب المؤلف مسألة تعريف الفلسفة، كأنّه تمثل لنصحية جيم هانكنسون الذي يرى أن «الفلسفة شيء يجب أن تحاول دائماً تجنّب شرحه»، لما يحملهُ من الاختلافات بين المدراس والنظريات، ولكن، ما يجمعُ بين هؤلاء الفلاسفة الذين نلتقيهم في كتاب دوبوتون هو فرادتهم في النظرة إلى الحياة بمسرّاتها وآلامها.
ينطلق المؤلف بالحديث عن فيلسوف أثينا سُقراط الذي وقف ضد الآراء السائدة، فأراد أن يبرهن على أن معيار صحة الأفكار ليس إجماع الغالبية عليها، إنما مطابقتها قواعد المنطق، ومن ثمّ يذكر محاولات سقراط بهدف تصحيح بعض المفاهيم من خلال محاوراته ومساءلته.
كما يضمُ الكتابُ في فصله الثاني آراء ورؤية فيلسوف اللذة أبيقور، فهو يحدد وظيفة الفلسفة في تخليص الإنسان من معاناة العقل، الفلاسفة برأي أبيقور هم أطباء الروح، يُفسرون أسباب اليأس والإحباط لدى الإنسان، كما تنقذنا الفلسفة من نماذج السعادة الخاطئة. لا تنحصر اختيارات المؤلف في الفلسفة اليونانية الكلاسيكية، بل ينصرف في قسم آخر من كتابه إلى الفيلسوف الروماني سينيكا، الذي راح ضحية نزوات نيرون دون وجود دليل يدين سينيكا، عدا أنه عمل لمدة خمس سنوات معلماً للإمبراطور، لكنّ الفيلسوف واجه القرار الذي نص على أن ينتحر بالهدوء.
ويختار الكاتب آرثر شوبنهاور وفريدرك نتيشة نموذجين للفلسفة الحديث. يختم آلان دبوتون كتابه بتناول فلسفة نتيشه الذي عرف نفسه بأنّه «ديناميت»، قد يكون هذا الجزء من الكتاب أكثر تشويقاً من غيره، بحيث يقدم فيه الكاتب -بأسلوب سلس- معلومات وفيرة عن حياة صاحب «أفول الأصنام»، ويعرض مراحل حياته، عندما كان شاباً ووقع تحت تأثير شوبنهاور، وبات يلخص فلسفته في الرسائل التي يبعث بها إلى أخته وأمه.