الجمعة. فبراير 21st, 2020

Arab Readers

الوطن العربي يقرأ

علم النفس – الجنسية

الجنسية – بيير داكو

ان مشكل الجنسية، مشكل الاهواء والشهوات الجنسية، كبير التعقيد في بعض الأحيان. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن الجنسية “طاعون نفسي” على الغالب. فما سبب ذلك؟ ولماذا كان ثمة كثير من المفاهيم الخاطئة في هذا الميدان؟ باستطاعة المرء أن يلاحظ أن المشكل الجنسي لا يطرح أبدا في اطار الحب الحقيقي، كما أنه لا يطرح لدى الشخص المتوازن المنسجم. فهل يعني أن الحب الحقيقي يتلاشى وأن الانسجام يختفي؟ قد يميل الانسان إلى أن يعتقد ذلك عندما يتأمل العدد الكبير من العصاب والكبت والخوف الذي يسود العالم الراهن.

التربية الجنسية
تحظى التربية الجنسية بالاهتمام والعناية لأن الناس يدركون أن المشكل يتطلب عملا عاجلا. فأمام كل عالم نفس شباب وشيوخ أيضا كانت الجنسية دائما بالنسبة لهم سرا . . . أو ذروة منيعة. كم شابا متزوجا حائرا ازاء هذا المشكل شاهدت؟ فما السبب في ذلك؟ “السبب أنهم لم يستطيعوا أبدا طوال حياتهم تحقيق جنسية سوية . . .” أو “إن أحدا لم يتحدث اليهم عن هذه الأمور، اياها، قبل الزواج . . .”.

أو قد يقولون لك: ” . . . لقد اطلعني أبي (أو أمي) على ذلك وهو يحمل لي أفضل ما في العالم من نوايا. ولكنه كان يبدو، هو ذاته، من الحرج الى درجة أنني كنت أفضل أن يكف عن الكلام . . . “. أو قد يقولون أيضا: ” . . . يبدو أن الجنسية ضرب من الاتحاد الجسدي والنفسي الرائع. ويقال إنها تجل حقيقي للحب. لم يسبق لي أن بلغت ذلك. إنني حصلت على ملذات جنسية بالتأكيد . . ولكنني لم أحصل أبدا على هذا الاحساس العميق بالفرح . . “.

ثمة ملاحظات كثيرة أخرى تبين إلى حد يجعل الناس من الجنسية مسألة منفرة.

التربية الجنسية أمر رائع. ولكن لا بد للمربي من أن يكون قد سبر غور هذه المسألة. ولا بد للمربي أيضا من أن يكون قد انعتق من “التابو”. أريد أن أقول: لا فائدة من أن يكون المربي الذي يعلم التربية الجنسية عارفا بالسير الوظائفي الجسمي، ولا بتشريح الاعضاء التناسلية، الخ. فالمشكل أكثر اتساعا بكثير، وهو مشكل “نفسي” أكثر مما يظن بعضهم. والتربية الجنسية شبيهة بالتربية التي لا نلحق بها وصفا. إن المربي الذي يحتفظ في نفسه بالكبت الجنسي والمخاوف والعقد الجنسية، يصبح متعذرا عليه أن ينقل رؤية واسعة عفوية. وعلى المربي الذي يمارس التربية الجنسية أن ينظر إلى المسألة بالمقدار من اليسر الذي ينظر فيه الى المطر والطقس الجميل. إنه ﻷمر كثير الوقوع أن نسمع ما يقال عن أحد علماء النفس: “من السهولة بمكان أن نتكلم معه على هذه الأمور. فالمرء يحس مباشرة أنه ينظر اليها بوصفها طبيعية على وجه الاطلاق”.

ومن جهة أخرى، هل يتصور المرء أن يحدث لأحد علماء النفس نكوص داخلي، مهما كان ضئيلا، عندما يسمع قصة انحراف جنسي؟ أو أنه يستشعر بأدنى حرج عندما يتحدث عن الجنسية مع فتاة أو مع سيدة مسنة؟ كلا، أليس كذلك؟ إن الجزء الكبير من المسألة كامن هنا . . . ان لم يكن الجزء الأكبر.

الجنسية نظير الشخصية
اضطرابات الشخصية هي التي تثير الاضطرابات الجنسية دائما. فالعجز أو الانحراف الجنسيان هما، دائما، دلالتان من دلالات انحراف داخلي عام.

ماذا يبحث كثير من الأشخاص في الجنسية أو ما يسمونها هكذا على الأقل؟ ثمة ملايين الرجال والنساء، الذين حبسوا أنفسهم في عادات داخلية خانقة. فلا يتجلى عندهم امكان خلق الجمال. ماذا يحاول هؤلاء الأشخاص عندئذ؟ انهم يحاولون أن يهربوا من أنفسهم قبل كل شيء، ويحاولون أن يجدوا سعادة عابرة، “احساسات قوية”، الخ. فيتجهون الى الجنسية بصورة طبيعية جدا . . . ومن الواضح أن الحب لا وجود له في هذا، وإنما رغبة في أن ينسى المرء نفسه. مثلهم في علاقاتهم الجنسية مثل الآخرين الذين يشربون الكحول أو يتعاطون المخدرات.

الجنسية، والحالة هذه، هي المجال الذي يقتضي تحررا من الخوف وانعتاقا من الذات أكثر مما يقتضي أي مجال آخر. انه مجال يقتضي استئصال جميع “القروح” السيكولوجية إذن.

والحب، بالنسبة الى الكثيرين، انفعال عميق أو إشباع رغبة من الرغبات. إنه لوضع شبيه بمن يعتقد في نفسه أنه “مؤمن” ﻷن ضربا من موسيقى الارغن يخلق في نفسه انفعالا شديدا. اننا بعيدون عن الحب الحقيقي. فالحب فعل من أفعال المعرفة والذكاء، فعل يتيح ادراك ماهية شخص آخر، ماهيته ذاتها. ويعبر هذا الحب الانساني عن نفسه في الجسد بالحياة الجنسية، مفضيا الى اتحاد تام والى تجديد القوى والنعيم.

ص.ص 575-578

كتاب الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث