الجمعة. فبراير 21st, 2020

Arab Readers

الوطن العربي يقرأ

فرانز كافكا و رواية التحول

مقال : سعدية الزيتوني

فرانز كافكا ولد عام 1883بمدينة براغ عاصمة التشيك ،من أسرة يهودية تتحدث الألمانية ،كان أبوه تاجر حرف،عاش كافكا في عزلة ويرجع السبب إلى علاقته المتوترة مع أسرته وأبيه خاصة ،فشعر بالقهر أهتم بالكتابة الأدبية واعتبر الوظيفة مضيعة للوقت كونها تحرمه من رغبته الملحة في الكتابة ،لكن اهتمامه بالكتابة لم يرض أباه المتسلط مما جعل أعماله لا تظهر إلا بعد وفاته من طرف صديقه ،أصيب كافكا بمرض رئوي وقال عنه “ٱلام الرئة ليست سوى انعكاس لٱلامي المعنوية ” كما خاطب أباه القاسي :”أنت وراء كل معاناتي ،قلت فيها ما لم أستطع قوله على صدرك “
وفي أغلب مؤلفاته نجد أن شخصياتها ما هي إلا انعكاس لحياة كافكا النفسية والاجتماعية .


وصف الكتاب “التحول “
يتحدث الكتاب عن شخص يعاني ضغوطات نفسية بسبب عمله الذي يتمنى التخلص منه ومحاولة إرضاء أهله التي حالت دون ذلك ،جعلته يصحو من كابوس وقد رأى نفسه تحول إلى حشرة ،والحشرة ترمز في المجتمع إلى الاحتقار والاشمئزاز ،والتحول في هذه الرواية لم يمسه وحده ،بل حتى أخته تغيرت فجأة من مراهقة إلى ناضجة ،وطريقة تعامل أهله له أنهم كانوا ينظرون إليه ذا أهمية ومنفعة ،وسرعان ما تبدل الأمر إلى النظر إليه بدونية واحتقار وأنه منبوذ ،لا بد من التخلص منه بأي طريقة و موته كان راحة لهم ،هذا ما أشعره بالاغتراب وهو بين أسرته .
التخليص :
استيقظ غريغور يوما ليجد نفسه ،قد تحول إلى حشرة عملاقة ،ظانا أنه في حلم ،لكنه تأكد من صحة الحدث وواقعيته،وشعر بمعاناة شديدة حين تداخلت أفكاره ،بين ضغوطات العمل من جانب والواقع الجديد الصادم ،وهو يرى نفسه عاجزا ،حتى على مغادرة السرير أو الغرفة ،وما زاد قلقه هو رؤيه المنبه ،الذي يؤكد له تأخره عن العمل ،وبعد نداءات متكررة من الأهل ليستدرك نفسه ،وقدوم مسير الشركة وزيادته الضغط على غريغور ،
وقداختلفت لديه الأحداث عندما رأى الكل مصدوما خائفا ،لما حدث له بعد فتحه للباب ،فبين أخت تنتحب وأم مرتعبة ،والكل يتصور فقدانه للوظيفة مما يؤدي إلى أزمة مالية للعائلة ،وبالمقابل غريغور يحاول تبرير موقفه للمسير
للتخلص من الورطة ٱملا منه مساعدته واكتشف أن التحول قد مس صوته أيضا ،غادر المسير دون كلمة ،ولم تجد الأم والأخت غير الصراخ والهروب من غريغور المخيف ،بينما الأب حافظ على هدوئه وتأقلم مع وضع التحول ورأى ابنه كحشرة حقيقية ،وأراد طرده كل مرة بأصوات ليدفعه كي يذهب لغرفته مما أشعر غريغور بالخوف من أي ضربة قاتلة مصوبة إليه بسبب غضب والده ،وبطئه للرجوع كلفه ضربة موجعة قاسية .
وبقاء غريغور في الغرفة أشعره بالوحدة معزولا ،وهذا الشعور انتابه في السابق أيضا بدليل إغلاقه الأبواب ،لكن مع هذا الوضع الجديد أصبح الباب مفتوحا ولا أحد يأتي إليه ،تأكد له أن التواصل مع البشر أصبح مستحيلا ،وفكر مرارا بما سببه من منغصات لأهله ،وأصبح عزاؤه اتخاذه لأريكة قصد الاختباء وتفادي الاحتكاك مع أهله ،حفاظا على مشاعرهم وخاصة أخته لنفورها منه كلما أتت من أجل تنظيف الغرفة أو إحضار الطعام الذي أصبح بدوره خاص بالحشرات ،حتى الخادمة لما رأته توسلت للأسرة لتتركها تغادر وتعهدت بكتم سر التحول ، مما جعل من مهام العمل عند الأخت تزداد .
وفي غرفته لم يجد شيئا للتواصل مع الخارج سوى النافذة وهو ينظر منها مستذكرا حريته الماضية المفقودة ،متأسفا على عدم الرؤية بوضوح للأشياء كما اعتاد سابقا ،حتى هو أضحى يشعر بالخوف وبالاغتراب كلما دخلت أخته .
والداه اقتصر دورهما في الترقب كل يوم لابنتهما وهي تخرج من غرفة أخيها لتعطيهما تقريرا مفصلا ،لما يحصل ،.
والتحول لم يستثن غرفة غريغور ،وذلك بتجريدها من الأثاث اعتقادا من أخته أن هذا الإخلاء سيسهل من زحفه بحرية ،وغريغور يشاهد الوضع معتقدا مرة أنها مجرد أثاث تنقل فحسب ،وبين اعترافه الداخلي بعدم تحمله لما يحدث من إخلاء لغرفته وأحب ما لديه وما فيها من ذكريات ،وهو يفكر فجأة وقعت عينه على صورة معلقة مدثرة بفراء ،ولم يجد نفسه إلا معلقا بزجاجها لإنقاذها من أمه وأخته ،وقد سبب هذا المشهد في إغماء أمه خوفا منه وهي تراه فجأة
مع محاولته لتجنب رؤيته ،هذا الحدث جعل أباه يستشيط غضبا منه ،وغرغور ازدادت دهشته لما رأى أباه بمنظر غير معهود ،فلطالما كان يراه منهوك القوى متكئا على عصا ،أشعث الشعر لكن تحولا حصل لأبيه حيث أصبح منتصب القامة حيويا مسرح الشعر ،ضف إلى نظرته الحادة القاسية هذه التي لم يستغربها منه فقط ،وقد شعر غريغور بالخوف وحاول الهرب من أبيه ،هذا الذي رماه بالفاكهة الواحدة تلو ى الأخرى إلى أن أصابه برمية خطيرة موجعة ،وكان الأمر سيزداد سوءا لولا تدخل الوالدة كحائل دون قتله .
أصبح غريغور ثقيل الحركة واهن القوى ،لا يشعر إلا بالألم كما أن شهيته اتجاه الأكل تراجعت وأصيب بالهزال حزنا وألما .
حتى غرفة غرغور احتقرت مثله ،وأصبحت مستودعا لكل الأشياء غير المرغوب فيها ،وأصيبت أخته بالملل ولم تعد تنظف غرفة أخيها التي امتلأت بالغبار وقد غطت جسد غريغور أيضا لزحفه عليه ،مما جعله منزويا تحت الأريكة .
كما تم كراء غرفة لمستأجرين هؤلاء الذين احتقروا بدورهم غريغور لما عرفوا بأمره مما جعلهم يقرروا المغادرة بدون تسديد الأجرة وقد زاد الطين بلة هذا الموقف ،حين رأى أهله ينظرون إليه كخرقة بالية لا منفعة فيها ويتشاورون أمامه في أمر وطريقة التخلص منه ،تراجع غريغور ببطء شديد إلى غرفته وهو يشعر أن مسافة الإياب أكثر طولا من الذهاب ،ووصل إلى غرفته حينها لم يشعر بشيء ولم يجد أدنى مقاومة لما حل به حتى سقط دون استجابة وفاضت روحه
وعند قدوم الخادمة صباحا وبعد دخولها غرفته حاولت إيقاظه بالمكنسة لكن دون جدوى وتأكدت أنه نفق من دون أسف،أبلغت الأهل بالخبر وكأنها تنقل لهم بشرى ،وهم بدورهم لم يظهروا أي حسرة عليه ولا افتقاد له ،بل رأوا ذلك راحة منه ،وأرادوا أن يحتفلوا بفسحة مفرحة لتخلصهم منه .
ردة فعلي اتجاه الكتاب :
التحول حقيقة تحدث لكل واحد منا ،وقد أبدع الكاتب في جعله تحولا جذريا يمس النوع ،ولم يقتصر على هذا فحسب بل جعله انمساخا يحدث لعواطفنا وتقديرنا ،وحتى في أجسادنا ،لما تفرضه علينا السنين من تنقل بين مراحل أعمارنا (طفولة فشباب ثم شيخوخة )وهي أيضا تحدث تغيرات في سلوكاتنا وسلوكيات غيرنا ومعاملاتهم اتجاهنا التي لا تبقى كما كانت في السابق ،وأشار إلى التحول في العمل ،فقيمة الإنسان قد تتراجع أو تزداد من مجرد تغييره للوظيفة ويؤدي إلى تغير في الظروف الاجتماعية من حسنة إلى سيئة أو العكس .
على الرغم من عبقرية الكاتب في الغوص في نفسية الإنسان ومدى واقعيته القاسية ،
لكنه ألبس الواقع سوداوية جعلت العاطفة عند الإنسان معدمة ،حتى عند أقرب الناس لنا ،من خلال لامبالاتهم واحتقارهم ومحاولتهم التخلص من ابنهم ،بل إظهار فرحتهم حين مات ليتخلصوا منه .


الربط بكتب أخرى :
أرى تشابها زمنيا بين الكاتب كافكا وزفايغ ،كما تجلى أيضا من خلال إبراز كل منهما مشاعر النفس البشرية والغوص في أعماقها ،وانعكاس شخصيات الكتابة لشخصية كل منهما ،بل أرى جانب التحول تناوله كلاهما ولو أن لكل منهما طريقته في ذلك ،حيث نجد زفايغ تطرق إلى هذا من خلال كتاباته وخاصة في كتاب “مانديل بائع الكتب القديمة “،هذا المسكين فقد تغيرت حياته رأسا على عقب بسبب اعتقاله ،فبعد أن كان يملك ذاكرة فذة خرافية في معرفته لعالم الكتب والمؤلفين ،جعلته مقصدا من طرف الطلاب والباحثين والكل يراه بتقدير وإعجاب ،حتى تغير بسبب الصدمة إلى شخص مختلف تماما عن السابق فالكل ينظر إليه بدونية وكأنه خرقة بالية لا منفعة منها ،يشبه ما حدث لغريغور فقط أنه لم يمسه جسديا .
نصيحة :
أحدث في هذا الكتاب زلزلة اختلطت بمرارة الواقع وما يحدثه من مفاجٱت غير متوقعة ممزوجة بسوداوية مخيفة مرعبة ،لكن جعلني أنظر للواقع بمنظار التقبل والمواجهة والتوقع ،والنباهة
صراحة كتاب يستحق القراءة فأنت لا تلمس التحول بين طياته فحسب بل تلمسه في شخصيتك أيضا .

مقال : سعدية الزيتوني