فينومينولوجيا الإدراك

موريس ميرلوبونتي

فينومينولوجيا_الإدراك ص 230_231

“لقد عودنا التصور الديكارتي على أن ننفصل عن الموضوع. فالموقف التأملي يظهر في الآن نفسه، الفكرة السائدة عن كل من الجسد والنفس، وذلك بتحديده الجسد على أنَّه مجموع أجزاء دون عالم داخلي، والنفس على أنها كائن ماثل لدى ذاته المثول كله، دونما بين.
إنَّ هذين التحديدين المتلازمين، إذ يرسيان الوضوح داخلنا و خارجنا، يضعاننا أمام شفافية موضوع دون ثنايا، أمام شفافية ذات ليست إلا ما تتصور نفسها عليه. فالموضوع يكون موضوعا والوعي وعيا من جميع الجهات ذلك لأن لكلمة وجود معنيين ليس إلا وهو أن يوجد الشيء باعتباره شيئا أو باعتباره وعيا و على عكس ذلك فإن تجربة الجسد الخاص تكشف لنا نمطا من الوجود المفارق ذلك أني إن حاولت أن أفكر فيه باعتباره جملة من السيرورات منسوبة إلى ضمير الغائب “إبصارا” أو “حركية” أو“جنسانية” اتضح لي أن هذه “الوظائف” لا يمكن أن ترتبط ببعضها ارتباطا سببيا، وإنما هي تتردد على نحو مبهم في مأساة واحدة قد أقحمت فيها إقحاما. فليس الجسد إذا موضوعا، وللسبب نفسه ليس الوعي الذي أحمله عنه فكرا أي أني لا أقدر على تفكيكه وإعادة تركيبه من أجل تكوين فكرة واضحة عنه، ذلك أن وحدته هي دوما وحدة ضمنية ومبهمة. فهو دائما شيئا آخر غير ما هو عليه أو هو دائما جنسانية و في آن حرية، و هو متجذر في الطبيعة في ذات الوقت الذي يتغير فيه بفعل الثقافة، وهو ليس منغلقا أبدا على ذاته ولا متجاوزا.
وسواء تعلق الأمر بجسد الغير أم بجسدي الخاص فما من وسيلة لمعرفة الجسد البشري سوي أن أعيشه، أي أن أضطلع بالمأساة التي تتخلله، و أن أمتزج به. فأنا إذا جسدي، على الأقل من حيث أنه لدي مكسب، وبالمقابل فإن جسدي هو بمثابة الذَّات الطبيعية، أو الخطوط العريضة المؤقتة لكياني الشامل هكذا تتعارض تجربة الجسد الخاص مع الحركة التأملية التي تفصل الموضوع عن الذات و تفصل الذات عن الموضوع والتي لا تمنحنا سوي تفكير في الجسد، أو الجسد فكرة، لا تجربة الجسد، أو الجسد واقعا”.