كافكا على الشاطئ-هاروكي موراكامي

مراجعة: ذاكر الحاج صالح – تونس

كافكا على الشاطىء …هاروكي موراكامي (أدب ياباني)
“يا حامل الغيب في مشكاة ظلمتك
حذار قف و اعتبر كفاك إصرارا”
كلمات جمال المصلي التي تناسب تماما كتابنا “كافكا على الشاطىء”. كتاب يوهمك بأنّه رواية لتجد نفسك فجأة أمام قصتين متوازيتين و لكن متقاطعتين أيضا: قصة ناتاكا رجل عجوز يبحث عن نصف ظلّه الضائع لا يجيد القراءة و لا الكتابة و لكنه يتقن الحديث مع القطط يخرج في مهمة للبحث عن حجر سحري قادر على خلاص العالم أو انهياره و قصة طفل في الخامسة عشرة يريد أن يصبح أقوى طفل في الخامسة عشرة يسافر هربا من لعنة أبيه التي تذكرنا بعقدة أوديب يسكن بمكتبة و يغوص في عالم الكتب و نبوءة الحرف. قد تبدو روايتنا جامحة خيالية عابثة إلا أنها أكثر من ذلك بكثير. رواية تستمتع برؤيتك ضعيفا مهزوما كهزيمة الإنسان أمام الوجود حيث تقهقه الكلمات عاليا بينما تراك تلهث مشدوها وراء حبل المعنى لعله يفلت من بين يديك و يغيب عن بصيرتك. كلمات موراكامي التي ولدت من اللّظى في الدُجى لتكبر في مهد شفق الأدب العالمي بل و تتلّفع بنور الفن في صرح الموسيقى من باخ وصولا إلى شوبارت و كأنها قطع لُجين تزين عقلك و مهجتك و تجبرك على الصياح عاليا وسط عجيج الصمت المريب أمام وجه الوجود الصامت. ولعل كل هذا يذكرنا بمدين في مولد النسيان و غيلان في السد اللّذان حاولا أن يصافحا وجه الخلود فصفعهما صفعة أردتهما ضحية الفناء و النسيان. هكذا هي كافكا على الشاطىء رواية غير مفهومة غامضة توقظ الإله في داخلك متحدية فكرة موت الأله لدى نيتشه. صامدة هي بفضل الفولاذ و الصوان الذي يغلف كلماتها لتذكرك بقصص الحب التي انكسرت حينما وصلت إلى أعتاب القلب الحزين أو ذكريات الماضي المختبئة في سراديب الذاكرة المصنوعة من نطفة خيبة و يأس. رواية تحدثنا عن سحر القراءة و الكتابة و عالم الكتب تُحلمك بالأمس و أنت في اليوم و تغريك باليوم و قد صرت في المستقبل. كاتبنا الياباني المحتال ينشر الشُعاف و الجنون في حافة قلوبنا المتعبة بالخيبات و الآلام و يختم أفواهنا بفنه العظيم الشامخ كالنخل في الذاريات يدفئنا وسط القرّ و أحيانا يعرّينا في فلق الصبح المنفجر في ربيع أرواحنا يعيرنا شعلة من قبس ناره فنسير في غياهب الفكر و الغيب الملتحف بما تحت الثرى فلا يغرّنك عزيزي القارىء بساطة القصة و جمال الغلاف أنت في مغامرة قد تخرج منها ميتا كما خرج منها ناتاكا خذ بنصيحتي:
“يا حامل الغيب في مشكاة ظلمتك
حذار قف و اعتبر كفاك إصرارا”

ذاكر الحاج صالح

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: