كتاب كرة القدم بين الشمس و الظّل للكاتب إدوارد غاليانو

كان إدوارد غاليانو الكاتب الأورغوياني يعلّق لافتة على بابه “مغلق من أجل كرة القدم” و لا يخرج لمدّة شهر يقضيه في مشاهدة مباريات كأس العالم كمشجع و متابع و كاتب . لقد أطلّ علينا كتابه “كرة القدم بين الشمس و الظل” عام 1995 ليكون بمثابة مصافحة لرياضة تزخر بالحماس و السياسة و العظمة و الفساد و المراوغات و التنفيس.
بعد صدور كتابه صرّح غاليانو “كنت أريد من محبّي القراءة أن يتخلّصوا من خوفهم من كرة القدم ، و أن يتخلّص مشجعو كرة القدم من خوفهم من الكتب” ، ليكون هذا الكتاب تكريما لهذه اللعبة و احتفاء بأضوائها و تشهيرا بظلالها .
قرأت هذا الكتاب بعد كأس العالم روسيا 2018 ، الذي لم يتابعه غاليانو حيث غادرنا سنة 2015 متأثّرا بمرضه سرطان الرّئة .
أعادني المؤلّف إلى ثلاثة آلاف سنة خلت ، بدايات كرة القدم مع الصينيين لينتهي حدود مونديال كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة الأمريكية ، فتاريخ اللعبة حسب غاليانو “هو رحلة من المتعة إلى الواجب فكلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة ، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولّد من متعة اللعب لمجرد اللعب ” ، و يضيف ناقدا تحوّل اللعبة إلى عمل تجاري مربح مما أفقدها جماليتها قائلا “لقد راحت تكنوقراطية الرياضة الإحترافية تفرض كرة قدم تعتمد السرعة المحضة و القوة الكبيرة ، وتستأصل المخيّلة و تمنع الجسارة” .
لكن من مونديال الأوروغواي 1930 إلى مونديال 1994 بالولايات المتحدة ، أرّخ غاليانو لأحداث سياسية و أدبية و ثقافية جامعا بين الأسلوب التقريري و الأسلوب الساخر مكرّرا في أغلب فقرات الكتاب هاته الجملة “مصادر شديدة الإطلاع في ميامي تعلن أن سقوط فيدل كاسترو صار وشيكا و أن إنهياره هو مسألا ساعات فقط “.
لقد تطورت كرة القدم بفضل الفقراء و العمّال الكادحين الذين وجدوا فيها فرصة للتعبير عن ذواتهم ، كما مثّلت ثورة على الإستبداد و الظلم من خلال صيحات الجماهير و أهازيجهم بعدما كانت حكرا على أبناء الأغنياء . مزج غاليانو في كتابه بين التاريخي و السياسي و الحدث الكروي ، فمثلا ذكر إستقلال الجزائر عن فرنسا في مونديال 1962 ، و حدّثنا عن حرب أمريكا في الفيتنام في مونديال 1970 و عن كارثة المفاعل النووي تشرنوبيل في مونديال 1986 ..
كتاب كرة القدم بين الشمس و الظلّ هو وجبة دسمة لكل مشجع لهاته الرياضة و لغير المتابعين ، هو كتاب تثقيفي لكل قارئ كتبه غاليانو “مثل لاعب كرة قدم يمرّر طوال القصّة الكلمات كالكرة لكي ينهي عمله بهدف جميل” .

فؤاد بالضياف ناشط ثقافي من تونس

المصدر : إيلاف Elaph

https://elaph.com/Web/Culture/2019/04/1247515.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Next Post

القلم الخائن

القلم الخائن محمد كمال نصور – سوريا كانَ راضي كاتباً عظيماً , يَبرعُ في صياغة الجُمل و وصفِ الأحداث بمصداقية و بدقة ومهارة ,وكانت مهمتهُ مرافقة الجّيش في الثُّغور, وهو صلّةُ الوصل الوحيدة بينَ المدينة و الجيش الّذي يحارب العدو, يُرسلُ أخبار انتصار الجيش الّذي يستبسلُ في الدّفاع عن شعبهِ, […]

مقالات مشابهة