كورونا – الإعانات مقابل الإتفاقيات

مقال : فخرالدين بلقايد – تونس

هل انتقلنا من زمن النفط مقابل الغذاء، إلى زمن الإعانات مقابل الامضاء على الاتفاقيات؟
حتى في زمن الكورونا و في أشد الأزمات، توجد دائما الفرص التي يجب اقتناصها، فالصين اتبعت نفس السياسة الأمريكية التي لطالما استغلت فيها أزمات شعوب و دول لتحقق مرابيح اقتصادية و توفر الرخاء لشعبها. اليوم تنسج الصين على نفس المنوال لكن بطريقة انسانية في ظاهرها لكن تخفي غايات اقتصادية بحتة، حيث تغيرت التسميات بحكم تغير الازمات لكن السياسة نفسها.
لعل تلك الإعانات من كمامات و أجهزة تنفس اصطناعي و طاقم طبي كبير التي أرسلتها الصين لايطاليا، فرشت من خلالها الصين البساط الأحمر تمهيدا لقدوم الرئيس الصيني لامضاء اتفاقيات مع نظيره الإيطالي.
حيث استفاق العالم الايام الأخيرة على خبر امضاء إيطاليا على رزمة من الاتفاقيات مع الصين، لتصبح إيطاليا من خلالها اول دول مجموعة السبعة التي تنظم الى خط الحرير البحري، الذي انطلقت الصين في العمل على انشاءه منذ سنة 2013 بالتوازي مع خط الحرير البري الجديد الذي يربط الصين و روما و خصصت له الحكومة الصينية اكثر من ترليون دولار كاستثمارات خارجية فقط .
يأتي هذا المشروع الضخم، كمعالجة للوضع الاقتصادي المتذبذب او بالأحرى متابطئ الذي تعيشه الصين حاليا مقارنة بالازدهار الاقتصادي و نمو السريع التي شهدته في العقود السابقة و قد خلف هذا التباطئ الاقتصادي عدم استقرار اجتماعي الذي يهدد بدوره الاستقرار السياسي، حيث تشهد الصين في سنوات الاخيرة عدة مظاهرات عمالية و بالرغم من ان هذه المظاهرات لم يكن لها أي توجه سياسي بل كانت مطالبهم خلاص أجور العملة و مطالبة بحقوقهم و بالرغم من هذا فتم اعتقال معظم النشطاء و ذلك خوفا من ان التاريخ يعيد نفسه و تتوفر نفس الأرضية من الاضطرابات الاجتماعية التي اوصلت الحزب الشيوعي الصيني الي حكم. لذلك تتجه الحكومة الصينية نحو أسواق جديدة و “مستوطنات” اقتصادية جديدة يمكن لها أن تخرجها من مأزق الركود الاقتصادي و تأزم الوضع الاجتماعي للعمال في ظل إغلاق عدة شركات و مصانع.
و في هذا السياق لطالما التجئت الأمم التي عاشت ركود اقتصادي الي الحروب و اجتياح بلدان أخرى و ذلك بحثا عن الثروة،لكن يبدوا هذا مختلف بالنسبة للصين. فتاريخيا و في القرن الخامس عشرتحديداً عندما تصارعت بريطانيا التي تملك انذاك 190 سفينة و أسبانيا التي يضم اسطولها 130 سفينة فقط من أجل النفوذ الاستعماري، كانت انذاك الصين تمتلك 3800 سفينة بقيادة القائد تشينغ هوو، و تعتبر أقوى قوة بحرية في العالم في تلك الوقت و بالرغم من ذلك لم تكن الصين مهتمة بالاستعمار وهذا راجع لاعتقادهم و تبنيهم لفلسلفة كونفشيوس انذاك او عملا بمقولته الذي قال “الحكم بالقوة امر وحشي”. ونظراً أيضاً ان الدخول في حرب او صراع حالياً للسيطرة على العالم بالطريقة القديمة أصبح غير ممكن لتطور الأسلحة التي يمكن لها ان تخلف دمار لم تشهده الأرض منذ نشأتها، لكن كل هذا لم ولن يعيق توسع هذه الدول و ذلك عن طريق أساليب ناعمة لكنها ناجعة اليوم تتوسع هذه الامبراطوريات عن طريق السيطرة اقتصاديا على دول الضعيفة و ذلك لاستغلال ثرواتها و جعلها سوق جديدة تستهلك ما تنتجه هذه الامبراطوريات و غالبا ما تكون الخطوات الأولى غير مباشرة، من بين هذه الخطوات التي تريد الصين التوسع إقتصادياً من خلالها، هو مشروع طريق الحرير الجديد الذي يضم 69 دولة في ثلاث قارات، هي آسيا وأوروبا وأفريقيا و يمتد طريق الحرير البحري من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر المتوسط، أما الفرع البري من فيشمل ست ممرات و يعتبر طريق الحرير هو عبارة على شريان اقتصادي الجديد للإقتصاد الصيني وتعتبر ماليزيا جوهرة هذا الطريق، التي استغلت أيضاً الصين الأزمة أو الورطة التي وقعت فيها الحكومة الماليزية ألا وهي فضيحة الصندوق الحكومي الماليزي لاستثمار 1mdb و قد انقذت حكومة الصينية بقيادة شي جين بينغ رئيس الحكومة الماليزي من هذه الورطة مما جعل امضاء الاتفاقيات الشراكة و الإستثمار في هذا الاطار أمر سهل للغاية، وانتهجت الصين نفس هذه السياسة مع اليونان أثناء الأزمة المالية ووعززت موقعها عبر شراء كوسكو المستثمر الرئيسي في اليونان 67بالمئة من أسهم ميناء بيرايوس، وكذلك الرصيف الثالث والأخير في الميناء حتى سنة 2052. وتعتبر أيضاً الصين الشريك المتميز لليونان في مشاريعها وشريكتها بعد أن التجأت للخصخصة لتسديد ديونها بعد تم إستغناء عليها من طرف الاتحاد الأوروبي. كما لم يقتصر التوغل الصيني في يونان بهذا القدر ففي ما يتعلق بالقطاع المصرفي، سيتم إنشاء فرع تابع لبنك الصين، هو الرابع في العالم في اليونان ومكتب تمثيلي للبنك التجاري والصناعي الصيني. كما انضمت اليونان إلى برنامج استثماري ضخم بقيمة 906 مليار يورو في إطار “طرق الحرير الجديدة”. وهاهي اليوم تنتهج نفس السياسة مع إيطاليا وصربيا في ضل جمود أقوى دول القارة العجوز وعدم تضامنهم معهم في مواجتهم لهذا الفيروس وبهذه الاتفاقيات تعتبر الصين قد بدأت بوضع نهاية لما يسمى الاتحاد الاوروبي سواء إن كان على الصعيد المعنوي وحتى في مخيلة شعوب هذه الدول وحتى على الصعيد الاقتصادي.
يبقى السؤل كيف سيكون تعاطي الدول الأوروبية مع العملاق الصيني بعد ما تنتهي الحرب العالمية مع فيروس الكورونا ؟ وكيف سيكون تأثير مشروع طريق الحرير على إفريقيا وهل سوف
يجتمعون دول المغرب العربي حول هذا المشروع و يخلق بوادر جديدة يمكن أن تجعل اتحاد المغرب العربي ممكن إقتصادياً ؟

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 تعليقان “كورونا – الإعانات مقابل الإتفاقيات”

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: