كورونا … حين تثأر الطبيعة لنفسها

مقال : ناظم كسابي – تونس

كورونا…حين تثأر الطبيعة لنفسها

يبدو أن الوباء قد طاب مقامه بين سكان البسيطة و أخذ منحى آخر يجسد بشكل واضح مقاربة إنتفاء العولمة و عولمة الموت و يحمل من العنف ما يجعل من العالم يجثو على ركبتيه، فالأرقام التي يصدرها العالم يوما بعد يوم في آرتفاع جنوني سواءا كانت للمرضى أو للمتوفين.
بعيدا عن نظرية المؤامرة والتي تبقى واردة جدا نظرا للمعطيات الإقليمية و الجيو إستراتيجية الراهنة، لنفترض أن الوباء طبيعيا مائة بالمائة و لم يصنع في غرف العمليات المخابراتية المظلمة، ولنخرج قليلا و نبتعد عن النظرة السطحية للجائحة و لنتجاوز البعد الطبي البيولوجي العلمي الذي عجز ظرفيا عن تطويق الكارثة عالميا….فلنتخطى كل ماهو كلاسيكي للتطرق للحالات الوبائية العادية ونتطرق للموضوع من بعده و عمقه الفلسفي من خلال تسليط المجهر الميكروفكري على حيثيات خلق و تطور الوباء…
حين نقول الوجود أو فلسفة الوجودية نقول صراع البقاء و صراع التأقلم مع الطبيعة و المحيط، هناك ما يسمى بالإنتقاء الطبيعي “Natural selection”، كل ما لا يتأقلم مع قوانين المنظومة الكونية سيجد نفسه خارج إطارها…
الكون إنطلق من سلطة مركزية محورية، سلطة الفكرة الواحدة، أو المحرك الوجودي الأول المتعالي عن كل الصراعات الوجودية
ونقصد بذلك الذات الإلهية الخالقة لكل ماهو موجود و كل ما يتفرع عنها من خلق سيندرج في إطار ثنائيات متباعدة الأقطاب لتعيش الكينونة بينها… ربما الصراع الثنائي الأساس هو صراع الفكر ضد المادة، صراع الإنسان مع محيطه لإشباع رغبة الأنا الأعلى من السلطة الظرفية على محيطه لهدف الصيرورة التي تنبني على ثنائية المواصلة و النهاية أو ثنائية الحياة و الموت… أنا أؤمن جيدا بفلسفة الثنائية في تشكيل المنظومة الكونية و في كل الصراعات الوجودية. في إطار ثنائية الحياة و الموت تعيش الطبيعة صراعا أزليا خفيا مع الإنسان أو ما يسمى بالحرب الباردة الصامتة… الطبيعة على عكس ما يبدو للأغلبية
لا تلعب دور “الكومبارس” في المسرحية الوجودية و ليست عنصرا ثابتا في المعادلة الكونية.
حين يحتدم الصراع الكوني الوجودي تفعّل الطبيعة أسلحة خاصة للحفاظ على ديمومتها تسمى بلغة الجيولوجيا “an extrem event” التي تؤدي عادة إلى آنقراض بعض الكائنات
المخلة بالتوازن الكوني أو التي لا تنخرط في مسار التجدد الطبيعياتي… من يتتبع جيدا مسارات تجدد الطبيعة سيلاحظ أن الصراع يحتدم و كل عدوان في حقها تجابهه بما هو أعنف حيث عاشت الأرض على مدار التاريخ العديد من الكوارث الطبيعية التي غيرت بعض المفاهيم و النظريات العلمية و السنن الكونية
و كانت أغلبها جيولوجية أدت لظهور كائنات جديدة مقابل إندثار أخرى فأرخت لتعاقب حقب جيولوجية مختلفة على غرار إنقراض الديناصورات مثلا في نهاية العصر الطباشيري و الأمثلة كثيرة…
مع دخول البشرية في زمن العولمة و التطور التكنلوجي و العلمي وسيادة الفلسفة الوضعية التي تكرس و تؤسس لتطور الحياة الإنسانية، تغيرت الكثير من المعطيات على مستوى النظام العالمي و تغير منهج الحياة بدءا بالثورة الصناعية و صولا إلى الثورة النانوتكنولوجية التي عززت الصراع مع الطبيعة….العالم اليوم يشهد سباق نحو التسلح غير مسبوق و يعيش ذروة النشاط الصناعي و التنقيب عن الماء و البترول و الغاز و المعادن و الفسفاط فضلا على الكم الهائل من التجارب النووية المستحدثة و صناعة المبيدات و الأسمدة الكيميائية و غيرها من أشكال الإبادة الحياتية كالحروب على مر التاريخ المعاصر بدءا من الحروب النازية مرورا بالفاشية إلى ما نعيشه الآن من إقتتال على مستوى الشرق الأوسط… كل ما سبق أدى إلى تتابع الكوارث الطبيعية و آختلال التوازن الطبيعي من تغيرات مناخية و تلوث مائي و هوائي إضافة إلى آستنزاف الموائد المائية و التصحر فضلا على الإحتباس الحراري الذي من شأنه أن يؤدي إلى ذوبان الجليد في القطب الشمالي و بالتالي خلق العديد من الكوارث كالتسونامي مثلا…كما آنخرطت الأوبئة في مسار تجدد الطبيعة على مر التاريخ و التي كانت أشد فتكا بالبشرية حيث خلفت ملايين الضحايا بدءا بالطاعون سنة 541 وصولا إلى الإيبولا سنة 2014…على الرغم من ضراوتها، كانت الأوبئة السابق ذكرها عادة ما تكون منحصرة جغرافيا نظرا للمشهد الكوني العام الذي يتميز بالقبلية و غياب التواصل بين الحضارات و غيرها من العوامل التي تمنع العدوى و هي السلاح الأخطر للفيروسات…
من يتابع الوضع جيدا سيجزم أن شيئا ما سيحدث لإعادة ترتيب البيت الكوني بدافع تصحيح مسار تواصل و تماهي ثنائية الإنسان و الطبيعة… في ظل التراكمات السريالية للإنحرافات الكونية المعاصرة التي تدفع بالطبيعة آليا للثأر لنفسها للحفاظ على تواصلها، يشهد العالم حاليا أشرس المعارك البيولوجية ضد فيروس كورونا و تحول الصراع من الماكروكوني إلى الميكروعضوي، كورونا أو ذاك الوباء العابر للقارات ينضوي تحت راية الصراعات الخفية طويلة الأمد ففيروس بهذه الوحشية ليس بالجائحة الكلاسيكية التي تستدعي التعامل الكلاسيكي… الطبيعة كذلك أحدثت منظومتها الدفاعية في تطور خفي و تكيف مع تطور التوحش الرأسمالي البشري، بلغة السلاح الطبيعة أحدثت منظومة “باتريوت بيولوجية” بتطويع الكيمياء و البيولوجيا و لرفع التحدي لحفظ الوجود على البسيطة…
تاريخيا، إنتصر العقل في العديد من المعارك لكن قد يعجز أحيانا أمام الخيارات المتطرفة للطبيعة…في علم الفايروسات، عدو الأمس هو نفسه عدو اليوم لكن بنسخة مختلفة، في إطار ثقافة التأقلم تطور الطبيعة من منظومتها الحربية بإعادة تشكيل جينات الفيروسات، منتجة صنف فرعي جديد من فيروس ليس للبشر مناعة كافية لمقاومته…
في إطار الحوصلة، ما نعيشه اليوم هو بمثابة ثأر الطبيعة لنفسها بنفسها و على نفسها لكنها في الأخير لا تنتحر ذاتيا…في النهاية و من باب التفاؤل، حتى و إن عجز الخبراء عن تطويق الكارثة، ستتدخل العناية الإلهية لإنقاذ العالم كما جرت العادة في مثل هذه المراحل المفصلية من التاريخ…هو ليس إستسلام بقدر ماهو تقبل للحتمية الكونية

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “كورونا … حين تثأر الطبيعة لنفسها”

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: