مبدأ رفض الإختلاف ومعسكر الأنا المتعالية 

مقال: هيلان الماجري- مدونة تونسية



 ماهو الفن؟   

ماهي مجالاته ومحدداته؟ 

أين يكمن مفترق الاختلاف فيه؟ و أين يجب أن يجتمع  ويتقابل؟

وهل يمكن اختزال كل أسس تقييمه في مفهوم الذائقة الفردية؟ 



   كل هذه الأسئلة تحاصرني، وكثيرا ما تشد في فعلها، في كل مرة أشهد فيها الخلاف بين طَرفيْ صراع حول مدى صحة موقف أحدهما على حساب موقف الآخر في تقييم عمل فني ما، أجدني أتراجع خطوتين عكس اتجاه سيرهما وأنظر نحوهما بخوف و اشمئزاز. تجتاحني رغبة في أن أرمي ما بقي لي من المناديل البيضاء وأنسحب هاربة من ساحة الجدال. اختلاف في وجهات النظر قد يتحول بينهما في أي لحظة، ودون سابق انذار، إلى مبارزة بالسيوف، عراك بالأيادي، شد من الشعر، تبادل لللكمات و لعبوات الغاز المسيل للدموع والمشل للحركة، شتائم من هنا ودعوات للتكفير والخيانة من هناك، كُلٌّ حسب خبرته ومهاراته. مشهد مماثل لحال أغلب برلمانات العالم حسب درجة امتثالها لمفهوم الديمقراطية ولمدى تبنيها لمبدأ “الرأي و الرأي الآخر”.

هم…

   أفراد و برلمانات، كتل و مجموعات، أطراف ومؤسسات، وجل ما يمكن أن يُولِّد حركة كلامية بين الأقطاب المتنافرة ، كلها ذوات تسعى إلى الانتصار في حربها  بأي تكاليف كانت، في المقابل _الكلمة التي يكرهونها_ أسعى في هذا السرد إلى محاولة عبور ضفة المتفرجين المصفقين لطول نَفَسِ هذه الفئات في بناء برجهم العاجي حيث تُقيم أنواتهم المتعالية. هناك، من شُرفة جبروت سلطتهم و تسلطهم الذي يمنحهم الحق الشرعي في تصنيف الأعمال الفنية وفق ما تمليه عليهم زوايا النظر الخاصة بهم وحدهم إذ لا شريك لهم فيم يفتون بأصله، على خطى دينهم تميل كفة الميزان حين ترجح الجميل على قبيح، العميق على السطحي، الجيد على الرديء، الخط الأحمر على حساب الخط الأخضر. يحللون ويحرمون علينا _نحن أبناء الطبقة العامة_ الوقوف في الصفوف التي تعارض هواهم في الحكم..هم أبناء النخبة ومؤسسة دار الإفتاء الفنية السامية.

   لا يجدون الحرج في الحديث بلهجة الجزم و الوعيد، ينسفون مع سبق الترصد كل الفرص لولادة رأي من رحم الاختلاف. يحتفطون بلقب أعرف العارفين ويمارسون بكل براعة التجهيل الفني، فبرغم كل سنوات خبرتهم (في القراءة والبحث، الكتابة والرسم، الغناء والتمثيل…) تُعمى أبصارهم وبصيرتهم في روئية أحقية الفرد وقداسة حريته في الذهاب نحو اليمين أو اليسار، إلى الأسود أو الأبيض في أراءه واختيار المدارس الفكرية التي يريد. يُطبِّعون مع ثقافة الرأي الواحد والقالب الواحد. يهمشون مرجعية ذواتنا الفكرية، ويلغون قدرتها على تذوق الفن والتحليل والنقد، لا تعنيهم خصوصية فعل القراءة للفن _مهما كان شكله_ لدينا والتوغل إلى منبع الجمال أو النفور من بركان الرداءة. لا هوية خاصة بنا أمام جمود عنصريتهم لهوياتهم. يسعون فقط إلى إعادة انتاجنا وتشكلينا على هيئة نسخ مصغرة في تكرار مقيت لذواتهم. يحولون دلالة  الوجود المعرفي إلى معسكر الأنا المتعالية ويختزلونه في طبقتين، و إن كانت الأولى تمثلهم في هيئة الطغاة، فإن الثانية تتمثل في هيئة العبيد الذين لا خيار أمامهم سوى التصويت بالورقة الخضراء “نعم” في صناديق أفكارهم.


من زاوية أكثر شمولية..


   يرفضون التسليم بمبدأ “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب” ويذهبون أفواجا إلى تصديق قول يلازمهم “رأيي صواب لا لبس فيه ورأي غيري خطأ لا توافق عليه”. مرد هذا الرفض أنهم ومنذ بداية تكوّن ملكة التفكير لديهم، تمت برمجتهم وفق تربية تعليمية، ثقافية، اجتماعية ونفسية شاملة تعزز لديهم مرض ‘تضخم الأنا’، والهوس بفكرة أن كل من يعارض مواقف الأنا هو عدو وجب نبذه وتجنبه وإقصاء وجوده في المشهد، هذا الأخير  الذي تصنعه ذواتنا وتمنحه من الصدق ما يجعلها تعتقد أنها الأكبر الأهم والأقوى والأجمل، وغيرها هو الأصغر والمهمش والأضعف والأسوأ.

الهوس بفكرة أن كل من يعارض مواقف الأنا هو عدو وجب نبذه وتجنبه وإقصاء وجوده في المشهد



   هذه المسألة وجوهر هذا الجدل، يبدو في ظاهره رفض لقاعدة تواصلية وهي الاختلاف وعدم تجانس المواقف، ولكن في باطنه هو صراع حول الأنا (Self Concept) بمفهومها العام الفلسفي والغيرية(Other Concept )_ذاك الصراع التاريخي الوجودي الدائم_  أي لا فقط من الجانب الجدلي في الحق في إبداء الأراء المتعارضة مع أراء المركز النخبوي، ولكن حول وجود الآخر بحد ذاته كمقابل وكيان منفصل يهدد الوجود المادي لطرف النزاع الأول.

   توتر العلاقة بين الأنا والآخر، لخصها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (Edgar Morin) في نقطتين أساسيتين و هما مفهوم التباين (يقابله مفهوم التماثل في الخصائص الإنسانية و الخصائص الثقافية) من جانب الخصائص الفردية حيث تتباين الأنا مع الآخر في ما هو فردي في الإنسان كالخصائص النفسية (المشاعر/الأحاسيس…) والخصائص الاجتماعية(الحالة الاجتماعية :غني/فقير…) والخصائص الفكرية(متعلم/جاهل…) ومن جانب الخصائص الإتنية والعرقية أيضا، ما يعمل على خلق التعددية والنسبية التي تعتبر بدورها حاجزا لتقبل وجود الآخر في مدار الذات، ما يدفعنا إلى الحديث عن مفهوم العداوة (يقابله مفهوم الصداقة) الذي يجعل من الآخر مجرد غريب/عدو، وذلك نتيجة للمركزية الذاتية وانغلاق الذات على ذاتها. يرى الطبيب والفيلسوف البخاري ابن سينا أن نتيجة لهذا الانغلاق تتشكل الهوية البسيطة القائمة على التطابق والتي هي وفق المقاربة الديكارتية الوعي المتعالي الذي لا يشترط الآخر وجوديا ومعرفيا.

  الحديث عن الآخر في علاقته مع هذه الذات المتعالية المنغلقة سياسيا، اجتماعيا، حضاريا وثقافيا، يحدد داخل أطر العلاقة القائمة على ثنائية الأشياء ومبدأ التضاد بينهما، من منطلق أن الذات هي المركز الأساس في حركة الفكر والثقافة، وأنها وحدها من يمثل الصواب، والأخر ليس إلا مجرد تابع لهذه الذات ولا يمكن أن يكون المرآة العاكسة لتصوراتها وما تحمله من أفكار و أراء. 

الذات هي المركز الأساس في حركة الفكر والثقافة، وأنها وحدها من يمثل الصواب




 الواضح أن هذا الصراع سيستمر مدى استمرار الجنس البشري في التواجد، إذن، من الحلول التي أرى لأجل تجاوزه بأخف الأضرار، أو للحد منه لغاية بلوغ وتحصيل التعايش السلمي بين مكونات المجتمع الواحد في المستوى الأول، وبين مكونات المجتمع الواحد مع بقية المجتمعات الأخرى في المستوى الثاني، هو الضرورة الملحة أن تعتمد الذوات وتتبنى ما عبر عنه الشاعر الألماني ‘غوتة’ (Johann Wolfgang Vo Goethe) حين تحدث عن ذاتية اللغة الألمانية بالنسبة له وعن غيرية اللغات الأخرى بالقول :”أنا أحب الألمانية ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن أحب الفرنسية، ولكني أفهم حقيقة أن الفرنسي يحب الفرنسية ويعيشها، ولا يمكن أن يحب الألمانية كما يحب لغته القومية “.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: