هناك عالم ماقبل الطاعون وعالم مابعد الطاعون

مقال: المولدي بن عليّة – تونس

هناك عالم ماقبل الطاعون وعالم مابعد الطاعون.

الأوبئة دائما ماتُحدث تغييرات على مستوى البنية الديمغرافية للدول أو للعالم(تغييرات في العالم أم فقط في بعض الدول يبقى رهين مدى اتساع هذا الفيروس)، لأنها دائما تستهدف الطبقة المُسنّة في المجتمعات، نسبة كبار السن الذين بلغوا ستين عاما أو ما تجاوزها سنة 2017 في الصين بلغت 17.3% ومن المتوقّع انها ستصل سنة 2050 إلى 34.9% وهي الفئة التي تموت حاليا جرّاء الفيروس، نسبة كبار السن الذي يفوق أعمارهم 62 في إيطاليا حاليا 21% وهي التي يستهدفها الفيروس والبارح توفي منهم 250 كما أن 41.8% في إيطاليا أعمارهم بين 25-54.

هذا على المستوى الكمي أما على المستوى الكيفي نقول مايلي :

تناول ميشل فوكو في كتابه “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” التاريخ السياسي للمؤسسات الحديثة (منها مؤسسة العيادة) وعلاقة السلطة في تغيير مضمون هذه المؤسسات بتدخّل الدولة في إطار صراعها مع الكنيسة وجزء من الفضاء الاجتماعي، فالعيادة لها مضمون أبعد من المضمون العلاجي والاستشفائي فهي تتبع سياسة الإقصاء الاجتماعي من خلال التماثل بين الجشع والعجوز والمومس والعاق والغبي والضال والمجرم والمتشرد والوقح والمتسول، حسب الدراسة الأركيولوجية التي قام بها فوكو على الممارسات الطبية بين القرن الخامس عشر إلى حدود القرن التاسع عشر في فرنسا.

فمن خلال الإجابة عن سؤال “كيف تشكّلت النظرة العيادية داخل النظرة الطبية؟” يحاول فوكو استدعاء كل المراسيم التي أصدرها الملك في القرن السابع عشر و التشريعات التي أصدرها البرلمان التي ساهمت في إنشاء دور الحجر والمستشفيات عبر تدابير وإجراءات يسميها فوكو بالسياسات الصحية التي تسعى لدولنة(احتكار الدولة) الجسد والصحة من خلال نزع الطابع الفردي والعائلي للعلاج، بالإضافة إلى سعيها في إطار صراعها مع الكنيسة إلى علمنة الصحة عن طريق نزع الطابع الديني عن الممارسة العلاجية. وهذا التحول يمثّل مضمون ما يسميه فوكو ب”الانقلاب الكبير” (ص108 من الكتاب)، ويتمثل في استبدال الوظيفة الكبرى للمستشفى العام من الاعتقال(اعتقال المجانين وكل المصابين بالأمراض العقلية) إلى الإصلاح والعلاج والعقاب، خاصة وأن ما كان يُعرض على المستشفى العام من مصابين بأمراض تناسلية لم يعالجوا وإنما عُرضوا على الأطباء من أجل “تقويم سلوكهم أولا، ثم معاقبتهم ثانيا، وهو أمر تشهد عليه تذكرة إرسالهم. ولم يكن المصابون بالأمراض التناسلية في الأصل يعاملون معاملة تختلف عن تلك الخاصة بالمصابين بالأوبئة من قبيل الجوع والطاعون والجروح الأخرى”.(كلام فوكو في ص108 من نفس الكتاب)

هذا الأمر استرعى انتباهي خاصة في علاقة كلام ميشل فوكو بتطوّر العلاقة بين الطبيب والمريض، والسلطة الرمزية التي أصبحت لدى الطبيب، المتعلقة في مدى قدرة تدخّل الطبيب في تفاصيل حياة المريض وإقصائه لمؤسسات أخرى (كالكنيسة مثلا) قد تتدخّل في” نظام الحياة” للمريض المتعلق بجسده. لذلك فإن ثقافة المجتمعات يمكن أن يتغير براماتراتها les paramètres من خلال تغييرات بنيوية تستهدف المؤسسات التي تمتلك سلطة رمزية على الإنسان، وإعطاء هذه المؤسسة (الطبيب /المستشفى) سلطة رمزية أوسع في الحالات الاستثنائية الكبرى التي تتكثّف فيها حالة الوباء خصوصا في المرحلة التي يتحول فيها الوباء إلى ظاهرة مُعولمة، بعد أن أصبحت مؤسسة العيادة مركز الاهتمام الكبير للمجتمعات المنفتحة على بعضها.
هناك تغييرات تلوح في الأفق

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: