وحش يفترس آمالي

نص : جيهان الخماسي – تونس

حزينة كآخر رصاصة في مخزن
ذلك الجندي المحاصر في زاوية البيت المتهالك
كطفلة يتيمة ضربها اطفال الجيران
ولم تفعل شيئا سوى البكاء امام صورة امها المتوفية المعلقة على جدار الغرفة
كصوت المئذنة
جرحها غياب المصلين
كأم نتنظر ابنها
في غرفة العمليات
كساعي البريد في بلدان
إلتهمتها الانترنات
كأم مشلولة
ترى ابنها يغرق
كأخت فقدت اخاها
كلغة لم يعد يتحدثها الا اثنان في العالم ولكنهما متخاصمان
وتبقى الام هي الحب الثابت والحقيقة التي لا تتزعزع في زمن المتغيرات
اعظم ذراعين هي تلك القويتين رغم وهنهما ،واعظم عينين تلك التي تتوق الي رؤيتك في احلك صورتك ،واعظم قلب الذي يبذر حبه دون اعياء
امي معنى الوجود والبسمة والفرحة رغم طعنات الزمن الكاذب الذي تسقط فيه القيم والمبادئ ويسيطر عليه الشر والنفاق
امراة صلبة كحديد لايصدأ ،قوية لا تهزها الرياح الدونية تلك التي تعصف بالنساء ليلا ونهارا ولا تعيقها تعثرات زمن لا يرحم ،نور يشرق كل صباح ي جرى ظلمات إكتنزت في نفس ذابلة
امي تلك المتفردة التي لا مثيل لها من بنات جنسها
امي تخطت عقدة مجتمع يقر بان امراة متاع يباع ويشترى ،والكفر بفضل ولي نعمتها عليها جزم يستوجب العقاب فلا حق لها ان تختار طلاقا يجذبها سياط ،فالزواج في نظر مجتمع عقيم ليس الا اصفاد الدين تكبل النساء
تلك الطفولة البريئة بما تحتويها من احلام تنتظر التحقيق لم يرجى لصباحها ان تشرق ذلك اليوم المشؤوم الذي قلب حياتي رأسا على عقب ذلك اليوم الذي تحولت فيه حياتي الى جحيم مستمر حين نزعت رداء الطفولة لتبدأ رحلتي مع المقاومة
يومها خرجت امي فجرا لجلب الماء من الصنبور العام وسط ساحة البلدة ومن ثم كان عليها ان توفر قوت يومها بالعمل في غزل الصوف
عادت البنت من المدرسة فلم تجد اثرا لامها داخل البيت فخرجت باحثة عنها فوجدتها ملقاة وسط الساحة العامة
ارتفع عويلها طالبة العون اجتمع حولها بعض المارة نادوا طبيب الحي ليفحصها وامر بنقلها لاقرب مستشفى جهوي
كما هو الحال عندنا حضرت سيارة الاسعاف متأخرة في النهاية نقلتها الى ذلك المكان الذي يحمل اسم مستشفى حيت تقل اعوان الصحة ولا تتوفر معدات الفحص
كانت المستشفيات قصصا وكوابيس حولت امالي الاما في لمح البصر ،كانت مثل ساحة الحرب منها المهزوم ومنها المنتصر وكانت اجساد بعضهم كارض خصبة نهشتها الجراد
قطع شرودي صوت الطبيب مناديا على امي وكان وجهه مهتعضا وهو يقلب اوراقا طبية تروي الكثير من الخبايا ثم تمالك نفسه واخبرها بوجوب الخضوع الفوري لعلاج الكيميائي والا يفوت الاوان فقد استأسد السرطان وشارف انتشاره على النهاية فلا مجال للتاجيل فكل ثانية لها قيمتها…

جيهان الخماسي

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 تعليقان “وحش يفترس آمالي”

Las cookies nos permiten ofrecer nuestros servicios. Al utilizar nuestros servicios, aceptas el uso que hacemos de las cookies. Más información.

Translate »
arArabic
en_USEnglish arArabic
%d مدونون معجبون بهذه: